مقالات بأقلامكم

أخلاق الإسلام – بقلم الدكتور عبد العزيز القطان

صلّوا على من علمنا الحُب وآخى القلبَ بالقلب

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

الحب وإن كان من أعمال القلوب إلا أنه لا بد وأن تظهر آثاره على الجوارح قولاً وفعلاً، قال تبارك وتعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)، إن أقوى مظاهر الحب الصادق هو صدق المحبة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

من قواعد الإسلام الأساسية هي حب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ونبينا الكريم، جدير بهذا الحب، قال تبارك وتعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، ومن كان يسير على هذه التعاليم، ليفخر بهذه المحبة، لأنها العشق الأول والأخير.

جميعنا لديه عادات اجتماعية في المجتمع الإنساني، مثلاً إذا أحب شخص ما، أحدهم، تراه يُثني عليه ويذكره في كل المجالس، حتى على حساباته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، من كاتب إلى لاعب، او ممثل أو مطرب، وما شابه ذلك، وبالتالي يصنع من هذه الشخصية “أسطورة”، المحبة لها جوانب، مثل محبة الاستلذاذ بالإدراك، كحب الصور الجميلة والمناظر والأطعمة والأشربة.. تلك محبة فطرية، أو تكون محبة بإدراك العقل، وتلك المحبة المعنوية التي تكون لمحبة الخصال الشريفة، والأخلاق الفاضلة، والمواقف الحسنة، وهناك محبة لمن أحسن إليك ولمن قدم لك معروفاً، فتنبعث المحبة حينئذ لتكون ضرباً من ضروب الحمد والشكر، فينبعث الثناء بعد ذلك ترجمة لها وتوضيحاً لمعانيها.

لا يقتصر الأمر هذا على الأشخاص، بل حتى لغة أخرى أو بلد آخر، غن أحبه شخص ما، أيضاً يُثني على ما يحب، ويتعمد إظهار هذه المحبة، من خلال التغني بكل مآثرهم وعاداتهم، هذا الأمر ليس سلبياً، ويندرج في إطار الحرية الشخصية، لكن نحن اليوم كأمة إسلامية، أمة الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الجميل واللطيف أن نتحلى بصفاتٍ جميلة، منها أن نُظهر محبتنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بإتباعه وذكره وبالصلاة عليه، وترى البعض يقول إننا اليوم في عصر الحداثة وهذه الأمور أكل عليها الدهر وشرب، بل على العكس تماماً إن تكلمتم عن التاريخ فهناك أمجاد لا تنتهي، وإن تكلمتم عن الأنبياء فالسيرة النبوية أكبر دليل.

لقد أرسل الله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، للناس رحمة، وهادياً يبصّرهم بطريق الخير، وحبه من عقيدة الإسلام، لا بل هو محض الإيمان، ومن أحب إنساناً أكثر ذكره، وأكثر ذكر محاسنه، فينبغي أن نعطر مجالسنا في كل وقتٍ وحينٍ بذكر مآثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرته وأحواله وشمائله، وهذا الذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها.

لكن البعض ممن يعتقد أنه من رواد هذه الحداثة والتي هي بنظري، حداثة مزيفة أو العلمانية المزيفة أو الليبرالية المزيفة، ليقوم بنزع ثوب عروبته وإسلامه تجت ذريعة هذه الحداثة، بل أكثر من ذلك، قام بالتنكر لعمقه الإسلامي، والعروبي والتراثي وحتى التاريخي، تحت زعم أنه أصبح جزءاً من الثقافة الغربية من خلال قراءة كتبهم أو أخذه جنسيتهم او الدراسة في جامعاتهم، ومخطئ من يعتقد أن الغرب يتقبل من يتنكر لأصوله العربية والإسلامية، فمن لا خير فيه لبيئته ودينه وأهله، لا خير فيه لأحد، حتى وإن أظهرت ولائك للعرب.

إن قمة الحضارة والرقي والإنسانية أن تفخر بما أنت عليه أياً كان انتمائك، الإسلام على سبيل المثال، يصنع لنا العزة، وهوية خاصة بنا أمام الآخرين، حتى عندما تذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، لا تصلي بصمت بل أظهر صلاتك على نبيك وافخر، إذا كنت محباً للنبي، فصلي عليه في مجالسك، وإذا كنت دبلوماسياً أو سياسياً أو كاتباً أو فناناً أو أياً ما كنت، وليقول الناس ما يقولون، فإذا كنت إنساناً واثقاً من نفسك، هذه قمة الحضارة، أن تكون معتزاً بهويتك الإسلامية، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس تراثاً، النبي هوية وأعطانا القيمة والمركز بين كل هذا العالم الفسيح، النبي أخرج أسلافنا وأجدادنا من الظلمات إلى النور، فهدانا، ونحن نسير على هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

ومما قالت رابعة العدوية: أحبك حبّين حب الهوى.. وحبّاً لأنك أهلٌ لذاك.. فأما الذي هو حب الهوى.. فشغلي بذكرك عمن سواك.. وأما الذي أنت أهلٌ له.. فكشفك لي الحُجب حتى أراك، ما أجمله من شعر ومن كلام عذب كله بساطة لكن معانيه تحرك الجبال الساكنة، هكذا هو الحب الحقيقي.

عليك اليوم أنت تفخر بين الأمم، أنك ابن هذه الأمة الإسلامية وإنسان تسير على خطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك ما أجمل الحديث الذي رواه أمير المؤمنين، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذه الرواية صحيحة وحديث صحيح، لمن يريد المصدر، موجودة في كتاب الإمام الترمذي، بالسنن، قال: (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: البخيل من ذكرت عنده، فلم يصلي عليّ)، تأمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لقد وصف كل إنسان بالبخيل إن لم يصلي عليه، وكأن مقامه السياسي أو مركزه أو حضوره في بلاد الغرب يمنعه من ذلك وكأنه أمر غير حضاري، وأقول له لا، إن الصلاة على النبي أمر حضاري وحضاري جداً، فلا تكون كمن قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا تكن بخيلاً، اذكر الحبيب وأنت مبتسم، في كل مجالسك، واظهر للجميع هذه المحبة.

هذا الحديث كما أشرت صحيح، انظر من يروي عن مَن، باب مدينة العلم، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يروي عن ابن عمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذه الرواية الجميلة التي كلها تعليم وتعاليم وحكمة وموعظة وتقدير، ورهبة، من باب مدينة العلم، إلى إمام من أئمة المسلمين، الإمام الترمذي (الإمام الحافظ أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، السلمي الترمذي، أبو عيسى)، الإمام من ترمذ، جنوب أوزبكستان حالياً، عراقة الأسماء والنسب والعلوم، ولا بد وكما جرت العادة أن أوضح أن نقلي لهذه التفاصيل ليس ترفاً، إنما لنشر الفائدة، خاصة عندما تكون المرويات صحيحة وتطمئن لها القلوب.

بالعودة إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي يريد أن يعلمنا، أن هذه هي هويتنا أمام الآخرين، انشر سيرة النبي، وشمائله وصفاته، كن بين الناس معتزاً مزهواً بدينك وبإسلامك، ومعتزاً بإنتمائك لحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، اظهر هذه المحبة أمام الآخرين، عندما تقرأ الأحاديث صحيحة السند والمتصلة السند، تشعر بنبيك وما قدمه لنا من كنز كبير، التحقق هنا لأن اليوم هناك مبالغات كثيرة وشطحات وأكاذيب وأساطير يجب أن نفرق بين الصحيح والضعيف، الكثير اليوم دُسّ علينا بعنوان “إسلامي”، لكن كل متنور ومتبصر وواعٍ ونبيه يميز الصحيح من الضعيف ببداهة وهذا من الإيمان.

عندما تميز ذلك، ستخرج هذه الدرر الجميلة وتعرضها على الناس وأنت مطمئن البال والقلب وراضِ لربك ونبيك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وعندما نغوص في تراثنا، علينا دائماً وكما أنوه في كل مرة وفي كل مرة جديدة سأعيد وأكرر، يجب أن نتحرى الأسانيد والروايات الصحيحة، النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يعلم أصحابه، عندما يبدأ أي إنسان بخطبة أو كلمة أمام جمهور ما، أول البدء الثناء على الله تبارك وتعالى من حمده والثناء عليه ومن ثم الصلاة على نبيه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه تعاليمنا أن نحمد الله تبارك وتعالى ونشكره على كل شيء، وهي موجودة في صلواتنا الخمس، (التحيات لله والصلوات والطيبات) فقط تأمل هذه الكلمات، نابعة من مدرسة كلها تعاليم جميلة، هذه هي  أخلاق الإسلام، وهنا أستحضر مثالاً من أيام الدولة العثمانية، والأتراك اليوم لا يزالون لديهم هذه العادة وهي: إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يضعون أيديهم على قلبهم، أي أن حب الله والنبي في قلوبهم، وهنا أتحدث عن المعنى الجميل والسلوك الأجمل، لا عن التمذهب والتخندق في هذا الأمر.

وكل ما هو قريب ومحبب للقلوب في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة عليه، حتى وإن لم تثبت صحتها، كعادات وسلوك معين طالما أنها لا تسيء لا بأس بها، فعندما تقول اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد سيد سادات الدوائر وعلم أعلام المفاخر ونور أنوار البصائر وسلّم تسليماً كثيراً، هذه صيغ جميلة وسلوك جميل، أو اللهم صلّي وسلم على كامل النور سيدنا ومولانا محمد ابن عبدالله وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، نبينا لم يقل لنا أن نقول له سيدنا، لكن نحب أن نقولها من الأدب والاحترام، ما أجمل أن نقول: اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وآل سيدنا إبراهيم، في حضرة الأنبياء الأدب أولاً.

لنتميز علينا أن نفخر بما نحن عليه وما تعلمناه، والصلاة على نبينا جزء من تربيتنا وأخلاقنا، وأسأل الله أن نكون على خطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن نسير على سننه وتعاليمه.

*كاتب ومفكر – الكويت.