بأقلامكم

الخطيب البغدادي: رجل علم.. عاش للعلم بحث من جزئين – بقلم عبد العزيز بدر القطان

عبد العزيز بدر القطان

نشأ الخطيب البغدادي في القرن الخامس للهجرة، في مدينة السلام (بغداد) وارتحل منها إلى دمشق، في عصر اتسم بالحروب والتنافس بين المدارس الفقهية، إلا من الناحية العلمية التي لم تتأثر بالجو السياسي آنذاك، فلم يوقف شيء سير العلم والعلماء أو الحد من نشاطهم.

كان عصر البغدادي عصر علمٍ وكان العلماء يشقون طريقهم غير آبهين بما حولهم، من مبدأ ان العلوم الإسلامية يجب ان تثبت وتنقح وتهذّب، وتصنّف للأجيال القادمة من المسلمين، وأقرب مثال على ذلك أن الخطيب البغدادي ارتحل من بغداد إلى البصرة وإلى خراسان متزوداً بزادٍ علمي غزير، وعن أساتذة كبار كانوا في عصره مثل المحدث الكبير أبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر البرقاني، ومن شيوخه الفقهاء أمثال، أبو إسحق الشيرازي، وأبو الطيب الطبري والمحاملي وابو الصباغ وغيرهم، في عصر البغدادي كان الاهتمام كبيراً بالمصنفات في شتى العلوم الإسلامية، استمت بالدقة والتهذيب والتبويب أعطت العلوم صيغتها النهائية وقعّدت قواعدها، مثل السنن الكبرى والمستدرك على الصحيحين للحاكم والحلية وغيرهم من كتب الحديث والفقه والتفسير التي أصبحت عمدة المتأخرين وأصبحوا لما لهذه المصنفات من معلومات معتمدين.

إن اختياري لشخصية البغدادي ليست من فراغ أو من باب الترف كما كل الشخصيات السابقة، لكن لكل من ترك أثراً في العلوم الإسلامية لا بد من الإضاءة على المنهج الذي سلكه رغم أن شخصية مثل الخطيب البغدادي لا تحتاج لأنها ضوء ونور وقبس من الإسلام بحد ذاتها، وحياته مثالاً للعمل الدؤوب وحب العلم، الخطيب البغدادي رجل علم عاش للعلم، ورحل للعلم، وكانت حياته زاخرة بالحيوية والنشاط العلمي.

ولد البغدادي بالقرب من بغداد في العام (392 هـ)، تعلم القرآن والفقه والحديث وهو لم يبلغ الثانية عشر، لكن في عمر العشرين عقد العزم فرحل إلى البصرة لسماع الحديث ومن ثم الكوفة فبغداد، ثم في عامه الثالث والعشرين رحل إلى نيسابور وأصبهان وهمذان والجبال والدينور وعاد إلى بغداد بعد أن مكث في دمشق وصور، محدثاً وراوياً كبيراً، البغدادي هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي ويكنى بأبي بكر واشتهر بالخطيب البغدادي، وفي كتابه “تاريخ بغداد” ذكر أنه من العرب نواحي الفرات.

لم تتوقف رحلة البغدادي عند حد فلم يكن يسمع بمحدث إلا وذهب إليه لغاية في نفسه وهي جمع الحديث من أفواههم، وبعد أن التقى جميع محدثي بغداد وأخذ الحديث عنهم، ليخرج خارجها ويأخذ عن محدثي الأقطار الأخرى، ولكن لا بد من الإشارة هنا للإنصاف أن بغداد في ذلك الوقت كانت عاصمة الخلافة وموطن العلماء، وكان يستمع إلى العلماء القادمين والمغادرين في موسم الحج وكان يسمع الأحاديث بسندٍ أعلى أو برجالٍ أوثق، وهذا إن دل على شيء يدل على أن علم الحديث شغفه حباً، ومن بغداد عكف البغدادي على جمع مادة تاريخ بغداد الكبير مدة طويلة تزيد عن العشرين عاماً، وكونه أراد أن يدفن قرب المحدث الكبير بشر الحافي ذاك الرجل الزاهد الصالح كما ورد في كتاب (العقد اللامع بآثار بغداد والمسجد والجوامع للمؤلف عبد الحميد عبادة)، وفي رثائه قالوا:

فاق الخطيب الورى صدقاً ومعرفة *** وأعجز الناس في تصنيفه الكتبا

حمى الشريعة من غاوٍ يدنسها *** بوضعه، ونفى التدليس والكذبا

جلا محاسن بغداد فأودعها *** تاريخه مخلصاً لله محتسبا

وبعد كل رحلاته، عاد الخطيب البغدادي إلى بغداد حاملاً معه رواياته ومتزوداً بمسموعاته، من خلال الرحلات التي قام بها لجمع الحديث وتصنيف التاريخ، ليبدأ بعد ذلك مرحلة جمع المتفرق وترتيب المتناثر وتهذيب المتكرر والتوفيق بين المختلف من الحديث للإعداد لمرحلة الإنشاء والإخراج، بعد أن نضحت في فكره واستقرت في ذاكرته، لأنها ثمار جهود كل حياته، لتكون إرثاً لكل من سيأتي بعده، وفي دمشق اتخذ المئذنة الشرقية من المسجد الأموي سكناً له وبدأ التدريس فيه بعامة كتبه ومصنفاته والكتب التي رواها عن شيوخه، لقد أخذ البغدادي من كل علمٍ بنصيب جيد، بدءاً من القرآن الكريم والفقه وأصوله حتى صار فقيهاً من كبار الفقهاء، ودرس اللغة والأدب والتاريخ، وكان على جانب كبير من الأخلاق الكريمة والمناقب النبيلة، مخلصاً في علمه وتصنيفه، متواضع وعفيف النفس، كريم وحريص على تطبيق العلم، يقول في كتاب “الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”: (والواجب ان يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهةً وتديناً، وأقلهم طيشاً وغضباً، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها).

الخطيب البغدادي خصص حياته للعلم وسافر إلى مدن كثيرة للاجتماع بالشيوخ وأخذ الحديث عنهم حيث سمع من أعيان المحدثين كما أشرنا ببغداد أولاً، ثم من مشاهير محدثي البصرة ثانياً ومن نيسابور وأصبهان واجتمع بكبار الحفاظ وأخذ الحديث عنهم، وبالدينور وهمذان والكوفة والري والحرمين ودمشق وصور والقدس وغيرها، ولأنه عالم كبير وإمام حافظ اعتنى بالتصنيف وأملاها إملاءً في كل المدن التي زارها، وهذا أمر طبيعي لإمام متقنٍ لعمله ورواياته ومصنفاته، ووصفه ابن الأثير بأنه (إمام الدنيا في زمانه)، لقد كان الإمام أحد الأئمة المكثرين في الحديث والمجيدين له والبارعين فيه، فكان يكتب عن آثار الأئمة كالإمام مالك والإمام أحمد وسفيان الثورة وكان منهجه أن الدين بالآثار والنصوص لا بالرأي المجرد عن اعتماد النصوص، وقال في هذا الشأن: (فلو أن صاحب الرأي المذموم، شغل نفسه بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين، واقتفى آثار الفقهاء المحدثين، لوجد في ذلك ما يغنيه عمن سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء في الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والأخبار عن الجنة والنار، وما أعده الله فيها للمتقين والفجار، .. إلخ).

لقد وفق الخطيب البغدادي بين الفقه والحديث وبين أصحاب الحديث والفقهاء لأنه لا بد لصاحب الحديث من الاستفادة من الفقهاء وسلوك طريقهم في فهم النصوص، كما أنه لا بد للفقيه من الاستفادة من المحدثين الذين يمدونهم بالنصوص، التي هي مجال فقههم واستنباطهم، ووضع البغدادي بعض كتبه لهذه الغاية مثل، (شرف أصحاب الحديث وكتاب نصيحة أهل الحديث)، ومن روائعه أيضاً (تاريخ بغداد) التي وصفها منذ أن بنيت حتى وفاته، ويجد فيه كل طالب علم ترجمة كل محدث عاش في بغداد إذ يعتبر هذا الكتاب ثروة لعلماء الحديث في القرون الثلاثة الأولى إلى منتصف القرن الخامس الهجري، فالكتاب صنف لتراجم أهل الحديث وبيان حالهم وأقوال الأئمة الحفاظ فيهم من مدح وقدح وتعديل وجرح، يلي ذلك ذكر العلماء العلوم الإسلامية الأخرى وبقية أصناف المترجمين فيه، فكان مرجعاً لأهل الحديث توثيقاً وتجريحاً فكان كتاباً شاملاً لتراجم جميع العلوم والفنون.

عاش البغدادي في القرن الخامس الهجري، أي أنه يؤرخ لما يقرب من ثلاثة قرون من تاريخ بغداد منذ أنشأها المنصور وحتى زمنه، يؤرخ لبغداد الرشيد والأمين والمأمون، بغداد الأدباء والمتكلمين والمحدثين والأعلام، بغداد المناظرات الفكرية والجدل، بغداد المدينة بشوارعها وأسواقها وحماماتها ومساجدها، بغداد منارة الثقافة العربية الإسلامية، أو هي باختصار سكة العالم، يؤرخ لكل ذلك من خلال البشر، وإن كان يبدو المنهج قديماً ومرهقاً لمن يقرأ التاريخ الآن، إلا أنه يخفي في العمق رؤية تحترم العلم والعلماء، فمن دونهم لا قيمة للمكان، وهي رؤية تنطلق من فهم للإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض، الحافظ للمكان، المنوط به إعماره من خلال العمل المؤسس على علم ينفع كل الناس.

لقد عاش البغدادي حياته كلها مشغولاً بالعلم، دفعه شوقه إلى متابعه شغفه في تحصيل العلوم حتى أنه قرأ صحيح البخاري في خمسة أيام، لم يروِ أحد من بعده إلا واستشهد بأقواله، فمصنفاته تعتبر من النوع الراقي جداً، لقد خاض رحلة علم من ألفها إلى يائها، وثق وتعب وحقق وصنف ووضع الضوابط والشروحات المستفيضة، عندما يٌقال الإمام والحافظ الكبير فلتعلموا أننا في حضرة “أبي بكر البغدادي” رحمه الله تعالى.

في رحاب دار السلام للخطيب البغدادي

عبد العزيز بدر القطان*

في الجزء الأول تحدثنا عن الإمام الحافظ الكبير الخطيب البغدادي بشكلٍ عام، في محاولة بسيطة أن نستذكر مناقب هذا النابغة في عصره وإلى اليوم، وفي شهر الرحمة والمغفرة أبحرنا بما استطعنا في هذه العلوم لنشارككم إياها، ونستحضر معاً عراقة أمتنا الإسلامية والعربية على لسان علمائها في كل المجالات والميادين.

إن القيمة التاريخية لكتاب تاريخ بغداد، كبيرة جداً، هو كتاب في التراجم، وأصبح المصدر الرئيس لكل الكتب التي أتت بعده،  وتأتي أهميته من كونه قد خدم علم الحديث من خلال اهتمامه الواسع بالمحدِّثين؛ وكذلك تأتي أهميتهم من كونه قد عرَّف بالكثير من الكتب المفقودة في معظم المجالات المختلفة، وقد استفاد أكثر مؤرخي الإسلام من هذا الكتاب وأصبح من المراجع الرئيسة لهم، وقد أثنى عليه الإمام السُّبكي وطاش كبرى زاده وابن ماكولا وأبو يعلى وابن عساكر وابن الجوزي وغيرهم.

إن كتاب مدينة السلام (بغداد) كتاب تراجم المحدثين ورجال الحديث، وإن كان فيه غيرهم، هو كتاب لتواريخ الرجال كتاريخ أصفهان ونيسابور وتاريخ دمشق، كتابٌ مفيد للمحدثين من بعد البغدادي، مثل الذهبي وابن حجر وغيرهما، وكان مرجعاً للمؤرخين من بعده يذكرون حوادث السنين من أمثال ابن الجوزي في كتاب “المنتظم” وابن كثير في البداية والنهاية، والأثير في الكامل، كما أن هذا الكتاب مرجعاً في الأدب والشعر ونقل منه الأدباء القصص والنوادر والأشعار، وكذلك المصنفون في الوعظ والتصوف ، وباختصار إنه مرجع لكل المصنفين لأنه اشتمل على تراجم جميع أصناف العلوم والفنون، لكن فائدة الكتاب لعلماء الحديث كانت لها الحصة الأكبر والفائدة الأكثر من غيرهم.

إن أشهر من ذكر كتاب تاريخ بغداد من المصنفين، المالكي وأسماه “تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها”، وشهبة في كتاب “تاريخ مدينة السلام”، وابن الجوزي في “المنتظم”، وياقوت الحموي في “معجم الأدباء”، وحاجي خليفة في “كشف الظنون”، وغيرهم، هذا الكتاب بعد الإطلاع والبحث يوجد منه نسختان، الأولى في دار الكتب المصرية وهي عبارة عن مخطوطة، والثانية مصورة عن نسخة مخطوطة في تركيا، وأيضاً في مكة المكرمة، هذا الكتاب ثروة نادرة جمعت عبقرية فذة لعالم جعل العلم وتحصيله هدفاً له، فقد شرح في مقدمة الكتاب مضامين التراجم وصنوف أصحابها وما بلغه عن كل منهم من (قدح ومدح، توثيق وجرح، وما وصل إليه من ألقابهم وكناهم، وأنسابهم ومشهور مآثرهم، ومستحسن أخيارهم، وتاريخ وفياتهم، وأنه سيترجم لعلمائها المولودين فيها ولمن وردها من غير أهلها، وحدث بها، كما انه سيترجم لعلماء المدائن والنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان والأنبار).

تاريخ مدينة السلام (بغداد) حمل المدينة في طيات الكتاب، وكانت لها الحصة الراقية والرائعة في دقة الوصف وإجادة السرد، فلقد وصفها البغدادي بإسهاب ووصف تخطيطها، وتعداد مساجدها وحماماتها وسككها، وما كانت عليه من الحضارة والمدنية أولاً، ثم على ترجمة الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والأشراف، ثم على ترجمة العلماء من سائر أصنافهم، المحدثين والمفسرين والقرّاء، والأصوليين والمجتهدين والفقهاء، والنحاة والصرفيين والبيانيين واللغويين والمتكلمين والمنطقيين، والقضاة والفرضيين، والزهاد والنساك والمتصوفة، والقصاص والوعاظ والرياضيين والمهندسين، والفلكيين والمنجمين والموسيقيين والأطباء والصيادلة والجراحين والكتّاب والخطاطين والأدباء والأخباريين والنسابين والمؤرخين والعروضيين والشعراء والمغنين والرماة والفرسان وحذاق الصناع، هذا يدلل على أن الخطيب البغدادي لم يترك شيئاً في تاريخ هذه المدينة وما فيها إلا وضمنه في كتابه، ليكون فعلاً تاريخاً متكامل الصورة والمضمون.

لقد أراد الخطيب البغدادي في كتابه وصف بغداد بدقة وتعداد معالمها بدقة حتى من خلال ما وصل إليه من أخبار وما قيل عنها، ففصل وصف بغداد لوحده أخذ أكثر من مئتي صفحة من كتاب (تاريخ بغداد)، وأما التراجم فقد شرع البغدادي بتراجم أهل المدائن، ومن دخلها من الصحابة، ومن بعدهم، يقول البغدادي: (إنا أوردنا ذكر المدائن في كتابنا، لقربها من مدينتنا، وذلك أن المسافة إليها بعض يوم، فكانت في القرب منها كالمتصلة بها، وسنورد في هذا الكتاب أسماء من كان من أهل العلم بالنواحي القريبة من بغداد، كالنهروان وعُكبرا والأنبار وسرّ من رأى، وما أشبه ذلك عند وصولنا إلى ذكرها إن شاء الله، فأما تقديمنا ذكر المدائن، فإنما فعلنا ذلك تبركاً بأسماء الصحابة الذين وردوها، والسادة الأفاضل الذين نزلوها، وقد قُبر في المدائن غير واحد من الصحابة والتابعين رحمهم الله).

ثم شرع الحافظ الكبير، في تراجم علماء بغداد ومن وردها من غير أهلها، وسكن بها أو حدث فيها، ورتبهم على أحرف المعجم، وتأملوا معي التبويب والترتيب في ذاك الزمان والنظام والدقة على بساطة الأدوات، لكن البغدادي رغم تبويبه على أحرف المعجم لكنه قدم من كان اسمه محمد تبركاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورتب المشتركين بالاسم الواحد، على حسب حروف المعجم بالنسبة لآبائهم، كما رتب من كثر الاشتراك في اسمه واسم أبيه، (كمحمد وأحمد) على حسب حروف المعجم بالنسبة لأجدادهم، كما ابتدع طريقة موفقة فيمن كثر الاشتراك في اسمه واسم أبيه، فرتبهم على حسب التاريخ الزمني لوفياتهم، وتعتبر هذه طريقة جديدة في التراجم.

وبلغ عدد التراجم في الكتاب (7831) على (6500) صفحة، حيث تختلف التراجم طولاً وقصراً، وتعد ترجمة أبي حنيفة النعمان أطول ترجمة في الكتاب، وجاءت على 100 صفحة كاملة، وهنا قال لي العلامة المحدث الدكتور محمود سعيد ممدوح في حديث جمعنا في القاهرة العام 2020، أثناء زيارتي له: (الخطيب البغدادي رحمه الله قسّم ترجمة الإمام أبي حنيفة إلى قسمين، قسم أول أورد فيه التعديل،  وقسم ثانٍ أورد فيه الجرح على سبيل الجمع، الإمام البغدادي هو حافظ كبير يريد أن يجمع المادة العلمية المتعلقة بالإمام أبي حنيفة جرحاً أو تعديلاً والجرح كثير لأن الإمام النعمان كان بينه وبين المحدثين خلافات كثيرة ، فأصبحت ترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت في تاريخ بغداد هي ترجمة فخمة جداً فيه جرح وتعديل وفيها إحاطة لترجمة عظيمة) بينما كانت التراجم القصيرة من نصيب للأدباء والشعراء والموسيقيين والمغنيين، والطويلة فكانت من نصيب المحدثين والفقهاء والقضاة، وأصحاب العلوم الشرعية، يليهم الخلفاء والملوك، لكن بطبيعة الحال هذا الكتاب خصّص لتراجم رجال الحديث وبيان حالهم، وأقوال الأئمة الحفاظ فيهم، من قدح ومدح وجرح وتعديل، فلقد استقصى البغدادي تراجم محدثي بغداد منذ أن بنيت المدينة إلى تاريخ وفاته، وترجم لما يقارب أربعة آلاف محدث، ليكون الكتاب المرجع الشامل لكل المحدثين الذين عاشوا في بغداد، أو قدم إليها، أو حدث بها منذ تأسيسها، وعليه يكون هذا الكتاب ثروة حقيقية لا تقدّر بثمن، وكل طالب علم يجد ضالته في القرون الخمسة الأولى للهجرة.

اعتمد البغدادي في تراجمه على أسلوب رائع، فكان يبدأ بذكر اسم المحدث تفصيلاً، مثلاً في ترجمة أبي حنيفة يقول: (النعمان بن ثابت أبو حنيفة التيمي)، ثم يكتب عبارة في وصف الشخص، وأهم مميزاته، مثل (إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق)، ثم يذكر أشهر من أخذ عنهم وأشهر من أخذوا عنه، ورحلته في طلب الحديث، إن كانت له رحلة، ثم يذكر نسبه وبلده ونشأته، وصفاته الجسيمة والعلمية وينقل أخبار العلماء في دعم ما يقول، ويذكرها جميعها بالسند إلى قائلها، ثم يتبع ذلك بأقوال الناقدين له أو المثنين عليه، لذلك يطيل في هذه الجزئية ويذكر كل ما وصله مما قيل في مدحه أو جرحه، بالسند الكامل، ويختم بذكر سنة وفاته ومكانها وقد يصف في بعض المواضع الجنازة، وما قيل في رثائه، وغالباً ما يروي بسنده من طريق صاحب الترجمة حديثاً أو أكثر، وذلك للفائدة كبيان حال المترجم له أو معرفة طبقته أو ضبط اسمه وغير ذلك من الفوائد.

إذاً، كتاب “تاريخ مدينة السلام” يعكس مدى نشاط المحدثين في بغداد، الذين ارتفع شأنهم بعد تأسيس المدينة بفترة وجيزة، منهم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدار قطني وأبو بكر البرقاني، وأبو القاسم الأزهري، فكانت بغداد مركز اتصال مع المدن الأخرى، وفيها ازدهرت الحركة الفكرية وساعد على وجود المكتبات العامة والمدارس الخاصة بالفقه وعلوم القرآن والحديث، ليكون هذا الكتاب أضخم من أن يتسع المقام لذكره.

*كاتب ومفكر – الكويت.