بأقلامكم

الفنان محمد حسين عبد الرحيم.. بسمة العراق – بقلم د.عبد العزيز القطان

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

نجم عربي فلسطيني عراقي، فنان مبدع، بدون مبالغة يليق به وصف “بسمة العراق”، على الرغم من جراحات العراق والظروف الصعبة التي ألمّت بها، لكنه استطاع أن يدخل البهجة والسرور إلى داخل كل بيت عراقي وعربي دون حدود مصطنعة استعمارية، ليكون يوم الأرض عربي أولاً وأخيراً.

وفي يوم الأرض، إن فرقتنا السياسة والمخططات الاستعمارية لا بد أن توحدنا الأديان والثقافة والفنون والأدب والإبداع، نحن عرب من المحيط إلى الخليج، وكلنا أخوة وأهل، لا فرق بيننا، ولن نقبل بتفرقتنا يوماً وما حدودنا إلى حدود مصطنعة، بالفن يدخل الفلسطيني إلى قلب كل بيت عربي، ويدخل الكويتي والسوري والسعودي واليمني والعراقي والتونسي وكل البلاد العربية إلى كل بيت، في يوم الأرض كلنا عرب وجنسيتنا الأولى العروبة ومن ثم الباقي تفاصيل.

الفنان القدير محمد حسين عبد الرحيم، سكن العراق لا بل سكنت قلبه منذ العام 1974، كما كل البلاد العربية، حيث كان يتكلم بوجع كل الأمة العربية وبخاصة العراق وفلسطين وطنه الأم، مع الإشارة إلى أن الكثير من العراقيين، لم يكونوا على علم بأنه فلسطيني الأصل، وهنا يكمن إبداع الفنان الذي يجل ويقدر كل البلاد وكيف وإن سكن بغداد السلام وبغداد المنصور، العراق الجميل. لقد كان هذا الفنان كما أشرت بسمة العراق عندما كان يتعرض لأقسى ظروفه من كافة النواحي، فكان بالنسبة له بسمة وحمامة سلام وكلمة لطيفة تخفف معاناة هذا الشعب الصامد على كل الجور الذي لحق به، لقد كان يخاطب الوجدان والأرواح والضمير العربي من خلال أعماله الجميلة.

الفنان المبدع محمد حسين عبد الرحيم كان يمسح على قلوب البسطاء والكادحين والفقراء، من خلال تجسيده لأدوار كثيرة منها، شخصية الفلاح العراقي، والمواطن العربي وغير ذلك من الشخصيات التي تلامس الشرائح كافة وبخاصة تلك التي تعاني، لذلك دخل كل القلوب دون استئذان، هذا الفنان الأصيل، يرقد الآن على فراش المرض، ومن على هذا الفراش، لا يقوى على النهوض، لكنه طلب ما شعر بأنه قد يكون حق له، وهو طلب الحصول على الجنسية العراقية من رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، رغم يقينه بأن الدول العربية لا تمنح الجنسية ليس من باب التقليل من الفلسطيني، بل لضمان حق العودة إلى الوطن فلسطين.

وهنا أقول للفنان محمد حسين عبد الرحيم في يوم الأرض، أنت فلسطيني وأنت عراقي وأنت ابن الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، وأنت تستحق كل الجنسيات العربية ليس فقط العراقية، ولقد أكرمنا القدر بزيارة هذا الفنان الكبير في إحدى مواقع التصوير في مدينة بغداد الجميلة، عاصمة الثقافة والفن والأدب والفقه والشعر وكل شيء، هو وطاقم العمل حينها، لم ألحظ إلا تلك الابتسامة الجميلة والروح الأجمل، وتلك الأخلاق الراقية عندما يحبك يأبى أن تترك يديه يداك لو لدقائق معدودة، فكانت حفاوة منقطعة النظير هو وفريق العمل من بينهم الفنانة العراقية الجميلة هناء محمد، وقلت لهم إن لهم الفخر أن تقفون أمام قامة فنية كبيرة وشخصية مثقفة وخلوقة وجميلة مثل الفنان محمد حسين عبد الرحيم، صاحب القلب الكبير، يسكن هذا القلب براءة طفل نقي.

من يستعرض تاريخ هذه القامة الكبيرة، يجد كل ما وصفته به خلال مسيرة أعماله وحياته بل أكثر من ذلك، لكن المؤلم هنا، أن يطلب أي شخص سواء كان فنان أم لا مكرمة أو منحة أو جنسية أو جائزة والتي من المفروض أن تقدم له بحفاوة كبيرة كتقدير صغير على الجهود الكبيرة التي قدمها للصالح العام، وليس لصالحه أو مجده الشخصي، وهنا استحضرتني على الفور، تغريدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جاء فيها: “بتوجيهات من رئيس الدولة حفظه الله.. اعتمدنا تعديلات قانونية تجيز منح الجنسية والجواز الإماراتي للمستثمرين والموهوبين والمتخصصين من العلماء والأطباء والمهندسين والفنانين والمثقفين وعائلاتهم.. والهدف هو استبقاء واستقطاب واستقرار العقول التي تساهم بقوة في مسيرتنا التنموية”.

لكن السؤال هنا، لماذا لا يتم ذلك في الدول الأخرى، مع الإشارة إلى أن سوريا كانت السباقة في هذا الشأن ومنحت العديد من الشخصيات الجنسية السورية من بينهم فنانين وفنانات من فلسطين من أمثال الممثلة الجميلة نادين سلامة والفنانة الفلسطينية شكران مرتجى، وبالعودة إلى القرار الإماراتي الذي خصص جنسيته للمبدعين أياً كان تخصصهم، فما بالكم الفنان محمد حسين عبد الرحيم الذي عاش عقود وهو يقدم للعراق والشعب العراقي، هل يحتاج أن يطلب الجنسية أم أن تقدم له بعرفان وتقدير كبيرين!

وهنا لا بد من القول إن قيود السفر المفروضة على الجميع بسبب الجائحة العالمية، ولولاها لكنت الآن إلى جانب هذا الفنان الجميل وما فارقته أبداً، لأنه بدون مبالغة بسمة العالم العربي وأمل فلسطين، لذلك أعتذر منه أني لم أتمكن من الحضور ولتكن الاتصالات دائمة لاطمئنان عليه، خاصة وأن سرّ كثيراً باتصالي به، وأنا نقطة في بحر عطائه.

لكن ما أود قوله، ومما ذكرته آنفاً، ليس إلا ذكر حقيقة هذا الشخص وما هو عليه، وبالتالي إلى متى العيش بهذه العقلية يتم تكريم الشخص بعد وفاته، وإن كان حياً يرزق يتم تجاهله؟ وإلى متى يتم العيش بهذه العقلية العشائرية البدوية؟ ولا نجد هناك احترام للفن والثقافة!

الفن اليوم جزء من حياتنا، ومن هويتنا ومن ثقافتنا، شئنا أم أبينا، ويعيش بيننا رموز كبيرة قدموا أعمال كثيرة رائدة خلال عقود من الزمن، لكن المؤكد أن الفن إبداع مستقل بنفسه، وهو مستقل عن السياسة، والفن في طرق ما ربما عابر للقارات، لكن المؤكد أنه يخترق الوجدان والعواطف والروح، خاصة أولئك الذين أبدعوا في ذاك الزمن الجميل، وكانت بسمتهم حقاً نظيفة وتطرب الفؤاد، وهنا أستذكر مسرحية للفنان محمد حسين عبد الرحيم بعنوان “فناتق” في العام 1989، مع الفنان المصري وحيد سيف والأستاذة الراحلة أمل طه، وداوود حسين، وعلي جمعة وصالح الباوي وغيرهم من فناني الزمن الجميل، وشخصياً شاهدت المسرحية مرتين أو ثلاث مرات، لذلك من كل قلبي أتمنى لمحمد يوسف حسين الشفاء وأن نرى أعمالك على كل المسارح العربية، وشاشات التلفزيون.

محمد حسين عبد الرحيم، نأمل أن نراك قريباً وأمورك اكثر من رائعة، وأن يكون ما ألمّ بك مجرد سحابة صيف عابرة، وما تشعر به ليس مرضاً بل هو “استراحة محارب” ومن ثم تستأنف حياتك الطبيعية وتقدم لنا روائعك كما عودتنا من بسمة ونكتة وطرفة وأعمال فنية جميلة، ولا زلت أذكر عملك العام الماضي “1+1” مع الفنان الكبير قاسم الملاك، في شخصية الأسطه فايق، وكنت مبدعاً كما عودتنا وكنت متألقاً وجميلاً، كنت كما كنت دائماً الفنان الكبير العربي محمد حسين عبد الرحيم.

*كاتب ومفكر – الكويت.