بأقلامكم

فيلسوف الإسلام “الفيلسوف وحيد الدين خان” مجدد العصر الحديث – بقلم عبد العزيز بدر القطان

عبد العزيز بدر القطان*

يقول الدكتور محمد عمارة عن فيلسوف الإسلام وحيد الدين خان: “لقد وهب حياته كلها للدعوة الإسلامية، وتخصص في إقامة الأدلة العلمية على الإيمان الديني، فبلور علم كلام جديداً مناسباً لعصر العلم، خالياً من جدل الفرق الإسلامية القديمة، ومتجرداً من محاكاة الفلسفة الإغريقية القديمة، ولقد أعانته ثقافته العلمية الواسعة على أن يقدم في هذا الميدان أعمالاً فذة غير مسبوقة، وكانت باكورة أعماله الفكرية سنة 1950 كتابه (على باب قرن جديد)”.

نحن اليوم أمام عالم قدير من جهابذة علماء الإسلام، توفاه الله 21 أبريل/ نيسان الجاري، لا يعرفه أكثر المسلمين، له إسهامات كبيرة في خدمة الدعوة الإسلامية في الهند والعالم أجمع، خصوصاً أنه عاصر الاحتلال الغربي لبلدان المسلمين والهجمات الفكرية التي تعرض لها العالم الإسلامي، ولهذا فقد علم الداء والدواء لأمراض الأمة، ولم يرحل عن عالمنا إلا بعد أن ترك لنا مكتبة علمية كبيرة، وكان من مناصري القضية الفلسطينية، وألف كتاب حولها بعنوان “فلسطين والإنذار الإلهي”، وحيد الدين خان كتب بالإنكليزية والأوردية والهندية، وتُرجمت كتبه إلى العديد من اللغات، وترجم ابنه ظفر الإسلام خان إلى العربية قرابة 40 كتاباً من كتبه، منها الإسلام يتحدى، الدين في مواجهة العلم، فلسطين والإنذار الإلهي، رسول السلام.. تعاليم النبي محمد، الجهاد والسلام والعلاقات المجتمعية في الإسلام، أيديولوجيا السلام، حاضرنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام، قضية البعث الإسلامي، حكمة الدين، الإنسان القرآني، شرح مشكاة المصابيح، يوميات الهند وباكستان.

وإن كتاب “الإسلام يتحدى” كان له أكبر الأثر على الملايين الذين اطلعوا عليه، فهو نجح بأسلوب ساحر في أن يثبت وجود الله سبحانه وتعالى عبر قوانين الإحصاء والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء، والغريب أن وحيد الدين خان استند إلى بعض أبحاث ونظريات اللادينيين والملحدين العلمية وقلبها بأسلوب علمي لصالح إثبات وجود الله تبارك وتعالى، إذ يتميز أسلوب وحيد الدين خان بالجمع بين المنهجين الإسلامي والفلسفي، ونجح في إحراز إنجازات كبيرة في محاورة الملحدين، وربما كانت مؤلفاته في هذا المجال مثل “الإسلام يتحدى”، و”الماركسية في الميزان”، وغيرهما، عرّفته للقارئ العربي، فاشتهر عربياً بكونه المفكر، الذي يتصدى بالردود العلمية والعقلانية على اللادينيين.

يبلور خان، المنهج الطبيعي في التغيير، من خلال العمل المتدرج الموجه للقلوب والعقول بالدرجة الأولى بعيداً عن الصراع والمواجهة بكافة أشكالها، وصيانة لقدسية الدعوة ونقاء الرسالة، فهو يرى أن النضال السلمي والدعوة النقية السالمة من الأغراض الدنيوية، مع التسلح بالبصيرة والصبر وقوة التحمل وتهميش العمل السياسي بل والنشاط الدعوي التنظيمي، هي ما تجعل القلوب تهوي إلى الإسلام، وتوصل لهداية الناس وتحويل الأعداء والخصوم إلى مؤيدين وأنصار، كما أن هدف فيلسوف الإسلام وحيد الدين خان، تقديم الإسلام كأيديولوجيا مناسبة للعصر الحديث، كدين يقوم بالأساس على السلام والتسامح والتعايش، لذا لزم البدء من زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليس من مجرد “ردّات أفعال” ناتجة عن أوضاع سياسية تارة وغير سياسية تارة أخرى، وهو لا يعني إثارة الشغب في الخارج.

يقول الدكتور محمد عمارة: “ولقد لفت وحيد الدين خان الأنظار إلى إسهام الإسلام في النهضة الأوروبية الحديثة، عندما أسقط الكهانة والثيوقراطية والحكم بالحق الإلهي، ففتح أمام أوروبا الحديثة أبواب الديمقراطية الليبرالية، وعندما قدم مبدأ تسخير الطبيعة للإنسان، بديلاً عن تقديس الطبيعة، ففتح أمام العقل الأوروبي أبواب العلم التجريبي، الذى كانت تحرِّمه وتجرِّمه الكهانة الكنسية لزعمها أن العالم دنس، لا يجوز التجريب فيه! كما كان العقل الإغريقي التأملي يترفع عنه لأنه كالعمل اليدوي خاص بالعبيد!”.

تميّز الفيلسوف الهندي منذ أن أصدر كتابه الإسلام يتحدّى عام 1966 باللّغة الأُردية، في الهند، بأنّه أراد في جميع كتبه تقديم تصوّرات جديدة عن الإسلام، وتصحيح ما علق به من إضافات وأوهام، اعتبرها ديناً موازياً، ومعارف ثانويّة، أثقلت العقل الإسلامي بأعباء كانت سبباً في نظره، في تكريس الجمود والتخلّف. فعمل جاهداً على نشر الدّعوة الإسلاميّة وإحياء الفكر الإسلامي في ربوع الهند منذ زمن طويل لتحقيق مشاريعه، والتّعريف بأفكاره، حاول في عمليّة التّجديد، أن يتجاوز مسارات الفقه والتصوّف وعلم الكلام والتّعليم الإسلامي، وأن يصحّح أدواتها ووسائل عملها، وآليات إنتاجها للمعاني، وتقديم علم كلام جديد يواكب مستجدّات الفكر العلمي المعاصر وتطوّرات المعارف الحديثة.

والميزة التي يمتاز بها وحيد الدين خان من بين أقرانه من مفكري العصر إدمانه القاتل على قراءة الكتب العلمية والفكرية باللغة الإنجليزية، ويمكن تقدير سعة اطلاعه وعمق دراسته من خلال مؤلفاته ذات المستوى العلمي الرفيع، والتي تظهر عمق ثقافته الإسلامية وتمكنه من ثقافة العصر، خان من أكبر قادة العمل الاسلامي في الهند، ورموز الإحياء والتجديد في العالم الإسلامي، وهو صاحب تكوين علمي مدني، يقول فيلسوف الإسلام: (ونحن نرى أن الحركات الإسلاميّة القويّة في هذا العصر تخلد إلى أرض هذا الإسلام المنظور الملموس، و أنّها تتباين وتختلف في شعاراتها وهتافاتها بين المطالبة بإسلام جزئيّ أو إسلام كليّ.. ورغم هذا الاختلاف في المطالب فإن جميع هذه الحركات نشأت ونمت على سطح الدين الاجتماعيّ الموجود وليس على سطح الدين الكتابيّ الحقيقيّ، فأصبح إسلام اليوم مطيّةً وسنداً للوصول إلى القيادة والسيادة، أصبح محلاًّ تجاريّاً لجلب المنافع، وسوقاً من الأسواق يمكن بها استدرار الأموال والحصول على ما لا يمكن إحرازه من الأسواق الدنيويّة العامّة).

رحل فيلسوف الإسلام، وحيد الدين خان المفكر الهندي، تاركاً وراءه ما يتجاوز مائتي كتاب كتب بعضها باللغة العربية وبعضها الآخر بالإنكليزية، أشهرها كتاب “الإسلام يتحدى”.

أخيراً، وهب وحيد الدين حياته كلها للدعوة الإسلامية، وتخصّص في إقامة الأدلة العلمية على الإيمان الديني، وركّز في أعماله على النهج العلمي واتخذه خطّاً لمدرسته الدعوية والإصلاحية، فكان في قمة المعرفة العلمية والاطلاع على معظم المناهج العقائدية والاتجاهات الفكرية المعاصرة، وناقشها وقارن بينها وبين الإسلام، وعُرف أيضاً بنضاله ضد الملحدين، الذين جادلهم بالحجة العلمية والبراهين لتكون معاركه دائماً رابحة.

حصل الراحل وحيد الدين خان عام 2000 على وسام “بادما شري”هو رابع أعلى وسام وجائزة مدنية تكريمية في الهند، ومنحته دولة الإمارات العربية المتحدة جائزة الإمام الحسن بن علي للسلام عام 2015، وفي نفس العام كان ضمن قائمة أكثر 500 مسلم تأثيراً في العالم، وفق ما أورد موقع “The Print”، كما أن الحكومة الهندية قد منحته جائزة “بادما فيبهوشان” التي تُعدّ ثاني أعلى جائزة مدنية في الهند، وتمنح لمن يقدم “خدمة استثنائية ومتميزة”.

*كاتب ومفكر – الكويت