عربي ودولي

المخابرات الأميركيّة.. وحكاية “البرامج الوحشيّة” لتعذيب المعتقلين!

مع استجابة أحد القضاة الفيديراليّين في الولايات المتّحدة نهار الجمعة الفائت للطلب الذي كان “الاتّحاد الأميركيّ للحرّيّات المدنيّة” قد تقدّم به من أجل مقاضاة الأخصّائيّيْن في علم النفس جيمس ميتشل وبروس جيسين اللذين قاما بتطوير أساليب الاستجواب الوحشيّة والتعامل العنيف مع الموقوفين لصالح وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي إي) مقابل أكثر من ثمانين مليون دولار، وذلك على خلفيّةِ قضيّةٍ تتعلّق بثلاثة معتقلين سابقين تعرّضوا للضرب والحرمان من النوم وسكب الماء المثلَّج على رؤوسهم بعد وضعهم في صناديقَ ضيّقةٍ وإجبارهم على الوقوف لعدّةِ أيّامٍ وهم مقيّدون وأيديهم فوق رؤوسهم، فإنّ أنظار المنظّمات والجمعيّات الحقوقيّة في العالم لا بدّ من أن تتركّز اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخر على رصد درجة الشفافيّة والنزاهة في الطريقة التي سيلجأ النظام السياسيّ الأميركيّ إلى اتّباعها هذه المرّة في مواجهة تداعيات تلك القضيّة، ولا سيّما أنّ العديد من القضايا والملفّات المماثِلة التي شكّلت في الماضي وصماتٍ في تاريخ عملاء الوكالة وغيرهم من المحقِّقين الأمنيّين غالبًا ما كان يتمّ احتواءها على عجلٍ، وبأساليبَ ملتويةٍ، قبل أن تُوضَع لاحقًا في أدراج النسيان.

لا شكّ في أنّ ذاكرة الناس ما زالت حافلةً بالكثير من الصور البشعة لأساليب التعذيب الوحشيّة التي استخدمها الجنود الأميركيّون مع الأسرى والمعتقَلين العراقيّين داخل “سجن أبو غريب” في بغداد بُعيْد غزو العراق عام 2003، وهي الصور التي سرعان ما شكّلت مادّةً دسمةً لفضيحةٍ كبرى ظلّت أصداؤها تتردَّد في حينه عبر الأثير لعدّة أشهرٍ من الزمان، قبل أن يُصار إلى لملمتها على “الطريقة الأميركيّة”، ومن دون الإشارة على الإطلاق إلى انعدام الحدّ الأدنى من الشفافيّة والنزاهة في الأسلوب الذي استخدمته إدارة البيت الأبيض من أجل تحقيق ذلك، علمًا أنّ الأسلوب بحدّ ذاته كان كافيًا لكي يشكِّل مادّةً دسمةً لفضيحةٍ أكبر، وخصوصًا إذا أعدنا للذاكرة أنّ الرئيس جورج دبليو بوش لم يتردّد وقتذاك في دعوة وزير دفاعه دونالد رامسفيلد ليثني على الدور الذي يلعبه على رأس المؤسّسة العسكريّة الأميركيّة في العراق، وذلك عوضًا عن أن يُقيله على أقلّ تقديرٍ، أو عن أن يوبِّخه في أسوأ الاحتمالات.

وإذا كانت غرابة سياسة الولايات المتّحدة هنا لم تقتصر على هذا الموقف الذي اتّخذه رئيس أكبر دولةٍ تدّعي الديمقراطيّة في العالم وحسب، فإنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ الوزير رامسفيلد نفسه، وعلى رغم كافّة الأصوات التي ارتفعت ضدّه داخل الكونغرس تحت شعار وجوب فتح تحقيقٍ لمعرفة ما إذا كانت انحرافات الجنود الأميركيّين هي مجرَّد حالاتٍ شاذّةٍ أم إنّها تعكس نزعاتٍ عدوانيّةً تقود إلى تصرّفاتٍ غير إنسانيّةٍ متطرّفة، سارع من جهته إلى الذهاب برفقة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال ريتشارد مايرز إلى بغداد ليزور فيها مسرح الفضيحة، أيْ “سجن أبو غريب”، وليثني بدوره على دور قوّاته هناك، وذلك بينما كانت روائح فضائحَ مشابهةٍ تفوح من سجونٍ عراقيّةٍ أخرى، على غرار ما شهده “سجن الحصان الأبيض” في مدينة الناصريّة جنوب العراق عندما أعلنت محطّة “إي بي سي” التلفزيونيّة أنّ التحقيقات التي تجريها السلطات الأميركيّة حول مقتل عددٍ من المعتقلين العراقيّين داخل السجون التي يُحتجَزون فيها يُتوقّع أن تؤدّي إلى الكشف عن قيام عملاء وكالة المخابرات المركزيّة بجرائمِ قتلٍ أثناء التعذيب، كان المسؤول البعثيّ السابق نديم حطّاب، على سبيل المثال وليس الحصر، أحد ضحاياها.

والمعروف أنّ الأنظار كانت قد تركّزت خلال تلك المرحلة أيضًا على “قاعدة غوانتانامو” الأميركيّة في جزيرة كوبا، وخصوصًا بعدما تمّ الكشف عن قيام مسؤولين رفيعي المستوى في كلٍّ من وزارتيْ الدفاع العدل في واشنطن بالموافقة على لائحةٍ سرّيّةٍ تتضمّن عشرين أسلوبًا مختلِفًا لاستجواب المعتقلين هناك في إطار التقنيّات التي تُصنَّف عادةً في خانة التعذيب، وذلك عبر إرهاقهم جسديًّا ونفسيًّا قبل إخضاعهم للاستجواب، ومن دون الأخذ في الاعتبار أنّ الخبراء الأمنيّين غالبًا ما يتّفقون على المبدأ القائل بأنّ أيّ معلوماتٍ يتمّ انتزاعها بالقوّة لا يمكن أن تكون دقيقةً في أغلب الأحيان.

وإذا كانت الصحافة الأميركيّة قد سارعت وقتذاك إلى اتّهام الوزير رامسفيلد بأنّه متورِّط بالموافقة على تلك اللائحة الخاصّة بالمعتقلين في “غوانتانامو”، وذلك بالتزامن مع اعتراف المجنَّدة الشهيرة ليندي إينغلاند بأنّ قيامها بإساءة معاملة المعتقلين في “أبو غريب” جاء تنفيذًا لأوامرَ صدرت بهذا الخصوص عن قيادتها العليا، فإنّ البيت في القصيد هنا يتمثّل في وجوب التأكيد على أنّ أساليب الاستجواب الوحشيّة تكاد تصبح مرضًا مزمنًا يلازم سلوك المحقّقين الأميركيّين، تمامًا مثلما هو الحال في دول العالم الثالث التي لا تكفّ الولايات المتّحدة عن توجيه الاتّهام تلو الآخَر لقادة أنظمتها بالديكتاتوريّة والاستبداد.

من هنا، وبالعودة إلى قضيّة عالميْ النفس جيمس ميتشل وبروس جيسين اللذين قاما بتطوير أساليب الاستجواب الوحشيّة والتعامل العنيف مع الموقوفين لصالح وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي إي) مقابل أكثر من ثمانين مليون دولار، يُصبح في الإمكان تفهُّم السبب الذي أدّى إلى دفع القاضي الفيديراليّ إلى رفض الاستجابة لدعوى “الاتّحاد الأميركيّ للحرّيّات المدنيّة” بإجراء محاكمةٍ جزائيّةٍ لهما، ولكن من دون أن يُصدِر حكمًا ببراءتهما، مكتفيًا بتحديد موعدٍ لجلسةٍ قادمةٍ من أجل النظر في الأمر، تمامًا مثلما يُصبح في الإمكان أيضًا التكهُّن مسبَقًا بأنّ ملفّ هذه القضيّة سيُطوى عاجلًا أم آجلًا، على غرار ما حصل في الحالتين العراقيّة والغوانتاناميّة على حدٍّ سواء.. وممّا لا شكّ فيه هو أنّ مبادىء الحرّيّات العامّة، سواءٌ في الولايات المتّحدة أم حيثما تمتلكه أيْمانها في العالم، ستواصل اجترار نفسها المرّة تلو الأخرى على قاعدة الكرّ والفرّ، وستبقى في انتظار حلول ذلك الموعد على المحكّ!