لبنان مقالات

المواجهة مع حزب الله تفتّش عن غطاء مسيحي

كتبت هيام القصيفي في جريدة الأخبار أن في انتظار جولة كباش جديدة مع حاكم مصرف لبنان، لملم أركان النظام أنفسهم، في لحظة إحياء عناصر المواجهة ضدّهم. لكنهم يحتاجون إلى غطاء مسيحي واسع، كما جرى عام 2005لم تنجح حملات التسويق السياسية والإعلامية، في تحسين صورة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الشعبية، أو في دفعه الى شن حرب على الحكومة وبعض السياسيين بمن فيهم أولئك الذين كان محيطه يهدد بتسريب ملفات عنهم. إلا أن الزيارة الأمنية السياسية له نجحت في منعه من رفع السقف السياسي، ولا سيما ضد الحكومة، فالتزم بالحدود التي رسمت له. بدورهم، سارع أركان النظام الى لملمة الوضع، لأن سلامة تحوّل بفعل السنوات الماضية وشراكة القوى السياسية معه واحداً من أركان هذا النظام، الذي اهتز أخيراً تحت وطأة سوء الممارسات. فهو يعرف دهاليزه وأسراره، لكنه يعرف متى ستنتهي المهل الممنوحة له، لأننا في انتظار جولة جديدة من شد الحبال معه، فلا يستمر طويلاً في لعبة الضحية أمام السفارات الغربية، ولا لعبة البطولة بوصفه متصدياً لحزب الله، وليس الحكومة أو العهد.

لكن محاولة إطفاء الحريق داخل حلقات النظام المتشابكة، يقابلها إعادة إحياء شبكة معارضة تسعى بدورها الى لمّ الشمل. لكنها حتى الآن من دون استراتيجية واضحة، ولا سيما أن الشكوك تغلب معظم أعضائها بعد التجارب المرة السابقة، وعدم انسجام الرؤية حيال ماهية الخطوة التالية. فهل المطلوب إسقاط الحكومة في الشارع ومن يتحمل كلفة اللعب بالأمن؟ أو المطلوب تحييد سلامة فحسب للحفاظ على التركة السابقة، أم الذهاب أبعد من ذلك في دفع الأمور نحو مواجهة مفتوحة مع حزب الله كما جرى بعد عام 2005؟ ما هو أكيد أن العلاقات الشخصية والتجارب السابقة تفعل فعلها في مقاربة كل طرف للأزمة الراهنة وفي خلق نواة تجمع مواجهة جديد. صحيح أن الدفاع عن سلامة بات يجمع هذه القوى المعارضة، لكن هناك هوامش عدة لكل طرف يحاول من خلاله الإفادة منه لوضع خريطة طريق منفصلة. فما يريده الرئيس سعد الحريري من «استنهاض سنّي» كما جرى على مدى يومين، وفي الدفاع عن إرث والده في الإدارة والمصارف والمؤسسات العامة، لا يشكل رصيداً كافياً لدى حلفائه، لأنه في لحظة تصالح إقليمي ما، يعيد إحياء أولوية التهدئة السنية الشيعية كما حصل في الحكومات السابقة والأخيرة خصوصاً، وتمسكه بحوار مع حزب الله فوق الطاولة وتحتها. ولا تتشارك معه القوات اللبنانية، في كل ما يطمح إليه لأن لديها أيضاً ماضياً من القراءات المختلفة عن قراءة الحريري للمرحلة الماضية. أليس نائبها جورج عدوان أول السياسيين الذين ساءلوا حاكم مصرف لبنان عن أدائه عام 2017؟ كذلك فإنها طبعت الشهور الماضية بمهادنة مع حزب الله ومحاولة إعطاء فرصة للحكومة المتعثرة، وتنديدها بأداء التيار الوطني الحر، حين كان الحريري مصراً على تخطّيها لعقد صفقات معه. والقوات مهما كانت ملاحظاتها، تبدو حذرة، في خوض مواجهة مكلفة من دون معرفة آفاقها وتركيبتها العملانية، خشية أن تتكرر السيناريوات الماضية فتدفع هي وحدها ثمن التسويات ويربح الآخرون من كيسها، ولا سيما أن أي فشل مستجد قد يضاعف رصيد خصومها في الساحة المسيحية. أما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فحكاية أخرى فيها خليط من المطالب ومن رفع الصوت عالياً ضد العهد والحزب من دون أن يقفل باب الحوار مع الأخير. لكن ما يريده الحريري وجنبلاط معاً هو عدم خوض مواجهة مفتوحة وحدهما، لا بل إن أي صراع على مستوى خيارات أساسية لمستقبل البلد، يحتاج الى غطاء مسيحي، يشبه ما جرى عام 2005، ولو للشكل، إذ غالباً ما كان يتم التخلي عنه حين تعقد صفقة إقليمية أو دولية.

الراعي قادر على تغيير حساباته وفق معيار مختلف عن اليوم الذي سبقه

اعتقد الطرفان أن عظة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي قد تكون الرافعة المسيحية التي ستجمع حولها قوى وشخصيات مسيحية كما فعل البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير. لأنه في نهاية المطاف، يبقى ممثلاً لموقع بكركي كمرجعية روحية، فذهبا بعيداً في استثمارها. لكنهما نسيا أن الراعي ليس صفير، وأن صفير كان سابقاً لهما في الدفاع عن فكرة ومبدأ وليس عن أشخاص. في حين أن الراعي قادر كما فعل أمس بزيارته رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، على تغيير حساباته وفق معيار مختلف عن اليوم الذي سبقه. فهو أراد امتصاص النقمة العونية الحادة عليه، من خلال زيارته القصر الجمهوري، والشعبية المسيحية بعد دفاعه عن سلامة، ليعلن عن «عمل الكنيسة ومؤسساتها لإنشاء شبكة كي لا تكون هناك عائلة تعاني من الجوع أو محرومة». وهذا الأداء سيدفع المراهنين عليه الى أن يعيدوا حساباتهم مجدداً، في التفتيش عن حليف مسيحي على قواعد ثابتة، وخصوصاً أن الوقت ضاغط، وهناك من يحثّهم على التحرك، ويتحدث عن مرحلة ثانية من الاستنهاض الشعبي والحزبي. ما يستلزم حركة سريعة قبل أن تعيد القوى الأخرى تموضعها في مواجهتهم. لكن مشكلتهم أنهم يستنسخون تجربة كانت ناجحة، الى أن أفشلوها بأنفسهم. تُضاف إلى ذلك شبهات كبسة الزر الخارجية تحوم حول التوقيت الذي لا يعني المتظاهرين غير الحزبيين لأسباب معيشية أو المعارضين الحقيقيين وفق رؤية سياسية لمستقبل البلد، من دون توقيت السعودية أو واشنطن.
المصدر: جريدة الأخبار اضغط هنا