لبنان

بعد “جريمة أدوية السرطان” وعزل صادر.. القضاء يتمرّد؟!

في كل مرّة يكون فيها للإعلام دور فاعل في كشف فضيحة من هنا وقضية تفحّ منها رائحة فساد، وهذه هس مهمة الإعلام الأولى، توجه أصابع الإتهام إلى الجسم القضائي ويلصق به كل التقصير في المتابعة والملاحقة، ولا تُترك وسيلة إلاّ وتستعمل بهدف تشويه صورة القضاء، مع إعتراف الجميع بأن فيه قضاةً كفوئين ويتمتعون بكل المواصفات التي تؤهلهم لإصدار الأحكام “بإسم الشعب اللبناني”، وهي ميزة تجعلهم فوق كل الشبهات.

إلاّ أن إلصاق التهم بالجسم القضائي ككل من دون تمييز بين قاضٍ نزيه وبين آخر يسخّر ضميره لغايات لم تعد مخفية على أحد، فيه الشيء الكثير من التجني والتحامل، ومحاولة باتت أهدافها مكشوفة للرأي العام، الذي بات لديه من الوعي ما يكفي لكي يميز بين الخطأ والصواب، وهو قادر بما يملك من ثقافة على إصدار حكمه النهائي في ما خصّ المسؤولية التي تقع على هذا الطرف وذاك الفريق، وهو يعرف جيدًا أن إستهداف القضاء في شكل كلّي إنما يخفي نيات مبيّتة لدى البعض، من ضمن مخطط شامل وواسع لضرب هيبة مؤسسات الدولة، وتشويه سمعة القضاء، لتسهل بذلك عملية تقويض المؤسسات وشّلها وإبقائها في دائرة الإتهام، مع ما يستتبع ذلك من تداعيات على مستوى كل مساحة الوطن.

وهذا لا يعني بالطبع أن القضاء اللبناني هو كأمرأة قيصر منزّه عن الشبهات ولا يتأثّر بالمناخ السياسي، الذي يفعل فعله في هذا الجسم، المفترض به أن يكون محصّنًا إلى أقصى درجات التحصين، وأن يكون في منأى عن المؤثرات الخارجية، وألاّ يحتكم إلاّ للقانون والضمير، ليستطيع بالتالي كل قاضٍ أن يصدر الأحكام “بإسم الشعب اللبناني” دون سواه.

بالأمس القريب تلقى القضاء برمته صفعة قوية أتته من سيدة وُصفت بكل الأوصاف التي تدّل إلى أن ما قامت به يفوق كل تلك الأوصاف، وهي التي تاجرت بأرواح الناس وحياتهم، وقد حاولت بكل وقاحة أن تنجو بفعلتها من خلال إلقاء المسؤولية على القضاء، الذي يتحمّل في مكان ما تبعة “تنييم” بعض الملفات وتأخير البت بها.

وليس بعيدًا مما يتعرّض له الجسم القضائي من تدخلات سياسية تتناقض مع مبدأ فصل السلطات فإن ما حصل مع القاضي شكري صادر، ومن داخل مجلس الوزراء بالذات، ترك إنطباعًا عامًا لدى الرأي العام وآخر خاصًا لدى السلك القضائي بأن ما سمّاه بعض الوزراء بـ”كيدية سياسية” في التعاطي مع ملف صادر لن يمرّ مرور الكرام، إذ أن ثمة تململًا بدأ يتنامى في الوسط العدلي، ولا يُستبعد أن يتطور إلى نوع من الإنتفاضة، مع أن بعض القضاة يفضّلون تسمية ما يحصل بحركة تمردّ على واقع عمره سنوات من تدخّل السياسة في العمل القضائي، مع ما يستتبع هذه الحركة من رفع يد السياسيين، وفي شكل نهائي، عن السلطة القضائية، التي تجد نفسها مكبّلة اليدين، بدءًا من التشكيلات القضائية وصولًا إلى الضغوطات المادية والمعنوية التي يتعّرض لها القضاة قبل إصدار أحكامهم.

فهل تكون هذه الحركة الإصلاحية بداية تحرّر الجسم القضائي من “الهيمنة السياسية”، وإن كانت هذه الخطوة، في حال إستكمال حلقاتها، جاءت متأخرة كثيرًا؟