لبنان

ماذا تبقى من “أوعا خيّك”!

سيكون بمقدور العونيين و”القوات” أن يزايدوا على بعضهم البعض في سرد الأسباب والحيثيات التي أدت الى افتراقهم في الذكرى الـ16 لمصالحة الجبل. فبلدة دير القمر شهدت حدثين فصلت بينهما أمتار قليلة، الأول موقّع ببصمة برتقالية تجلت بمشاركة رئيس الجمهورية ميشال عون في قداس سيدة التلة الذي ترأسه الكاردينال بشارة الراعي، والثانية حملت بصمة النائب جورج عدوان الذي هندس لقاء ذكرى مصالحة الجبل بمقاطعة عونية لا لُبس فيها.

فيما قرر النائب وليد جنبلاط وفي اللحظات الأخيرة البقاء على مسافة بعيدة من اللقاءين، مكتفياً بتمثيل نجله تيمور الذي حضر المناسبتين، كي لا تحسب خطوته على أنها دعم لفريق علي حساب الآخر. وبرر غيابه بصداع أصابه… ولعله صداع الخلافات المسيحية هي التي بدأت تؤلم رأسه!

ومع ذلك، المشكلة ليست في القداس ولا في الاحتفالية التي نظمتها القوات لاستعادة شريط مصالحة الجبل التي تمت بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والكاردينال الماروني نصر الله صفير. المسألة أكبر من ذلك بكثير. وهي تتصل بمصير التفاهم لا بل التحالف بين “التيار الوطني الحر” و”القوات”، وتحديداً في ما يخصّ الانتخابات النيابية.

حتى اللحظة، يصرّ الفريقان على أن قرار الطلاق الانتخابي لم يتخذ لا بل أكثر من ذلك، يحرصان على أن احتمال الالتقاء وارد وفق خارطة مصالحهما، لا سيما في الدوائر التي تحتمل وجودهما على لوائح مشتركة.

صحيح أن النظام النسبي يفرض حروباً داخل البيت الواحد بسبب التقاتل على الصوت التفضيلي، ويجعل من امكانية التحالف بين فريقين سياسيين أو حزبيين، صعبة جداً، واذا حصلت فإنها تحصل في حدود ضيقة جداً وضمن شروط محددة… غير أن الحليفين الجديدين يحاولان البحث عن خطوط التقاء انتخابية تبقي يديهما بيدي بعض، حفاظاً على ما تبقى من التفاهم بعد سلسلة الانتكاسات والضربات التي تعرض لها.

ولكن السؤال الذي طرح نفسه: كيف يمكن لهذين الحليفين أن يقنعا جمهوريهما بأن حالة الوئام لا تزال موجودة ولا حاجة لاقتفاء أثرها بالسراج والفتيلة؟

يجوز السؤال لأن مقتضيات النظام النسبي مختلفة عن تلك التي يتيحها النظام الأكثري. في الأخير يمكن لفريقين مختلفين بالسياسة أن يلتقيا في لائحة واحدة. هامش الحرية أمام الناخب يبقى متاحاً طالما أن بامكانه التشطيب أو تركيب لائحة تناسب مزاجه. ولكن في النظام النسبي لا بدّ من التناغم السياسي كي تكون اللائحة مقبولة من الجمهور ومرضي عنها، وتاليا تكون محل تأييد واقتراع.

في حالة النسبي لا هوامش رمادية، إما أبيض وإما أسود. إمّا اللائحة بكامل عديدها وإمّا منافستها. وبالتالي إمّا هناك امكانية باقناع الناخب بأن اللائحة تناسب تطلعاته السياسية وإمّا يغيّر رأيه ويبحث عن بديل. غلطة بسيطة قد تدفع الناخب الى أحضان لائحة اخرى اذا كانت مكونات اللائحة الأساس لا ترضيه.

وما يحصل اليوم من مناكفات صامتة أحيانا ومدوية أحياناً أخرى بين العونيين والقوات سيصعب لحمها بين ليلة وضحاها لإقناع الجمهورين أنهما يلتقيان في السياسة وبامكانهما تشكيل لوائح مشتركة ترضي جمهوريهما…