مقالات بأقلامكم

العلم والإيمان.. أبو الريحان البيروني – بحث كامل من ثلاثة أجزاء بقلم عبدالعزيز القطان


عبد العزيز بدر القطان

وكلٌّ في فلكٍ يسبحون…

عالمٌ مسلم، ورحالةٌ وفيلسوف، وجغرافيّ وفلكيّ وصيدليّ وجيولوجي ومؤرخ، وأحد مترجمي ثقافات الهند، متقنٌ للعربية ولليونانية والسريانية وغيرهم، كل هذه المسميات من الفنون العلمية الواسعة، حملها شخص واحد، أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني من أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية.

أتى أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في أَوْج العصر الذهبي للحضارة الإسلامية ليُمَثل أعلى مدٍّ وصلت إليه العقلية العلمية، كانت عقلية البيروني مصبوبة في أُطُر المنهجية العلمية، حيث وصل إلى درجة لا نحسب أن بلغها علم آخر من أعلام تاريخ العلوم عند العرب، كان المنطلق الأساسي للبيروني أن كان من أعظم العقول المُفَكرة وعلى مستوى كل العصور، لقد كان القرن العاشر والحادي عشر، بلا منازع “قرن عصر البيروني”، ومن خلال 164 مؤلفاً له وضع يده على كل مفاتيح العلوم، إذ أن النظريات قد يرسو بها المطاف في متاحف التاريخ، أما المنهج العلمي يمضي السير قُدماً في طريق التقدم والتطور المعرفي، إن البيروني أبرز علماء الحضارة العربية في الرياضيات وفي الفلك الذي عرفه العرب باسم “علم الهيئة” وعدوه فرعاً من الرياضيات. وظل الفلك دائماً وثيق الاتصال بالرياضيات، وهما مجالات يطلق عليها في قديم العلم وحديثه مصطلح “العلوم الدقيقة المنضبطة” وكان هذا من العوامل التي أكسبت عقلية البيروني منهجية مقننة، إنه أكثر أقطاب الحضارة العربية تكرساً للمباحث والعلوم العقلية.

يقول البيروني: (ما إن سأل الحكيم لماذا يتدفق العلماء دائماً إلى أبواب الأثرياء، بينما لا يقترب الأثرياء إلى أبواب العلماء.. فأجاب: العلماء يدركون جيداً استخدام المال، لكن الأثرياء يجهلون نبل العلم).

هذا العالم العالمي إن جاز التعبير، لم يكن كسلفه عالم الرياضيات الخوازرمي، أو غيره، بل يتقاطع مع قُطْب الرياضيات والفلك قطبٌ آخر، هو التاريخ والحضارات والأنثربولوجيا، ثم ما يستتبع تقاطعهما من مباحث تجريبية أنجز فيها البيروني، هي الجغرافيا والجيولوجيا والمعادن وأيضاً الطب والصيدلة، لكنه وضع الفلك والرياضيات أولاً وقبل كل شيء، والتاريخ والحضارة ثانياً، ثم العلوم الطبيعية التجريبية، أما الأبعاد الدينية والفلسفية والأدبية كانت حاضرة عنده، وكان يعتبرها روافد تغذيه وتصقله، وكان عشقه الأول والأخير هو العلم، حتى إنه كان يرفض عطايا السلاطين.

العلم عند البيروني ينصب في رافد الحضارة العربية ويخدم القيم الإسلامية واحتياجات المجتمع الإسلامي، وقيم العلم عنده ودوافعه وبواعثه يمكن أن نجدها في تعاليم القرآن الكريم التي تحث على التأمل في السموات والأرض التي خلقها الله تبارك وتعالى بالحق، وكثيراً ما استشهد البيروني في مقدمات أبحاثه بالآيات الكريمة الدالة على هذا، ولا شك أن البعد الإيماني من العوامل التي زرعت في شخصيته عشقاً للعلم، قال تبارك وتعالى: (وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقومٍ يعلمون).

أتقن البيروني علوم اللغة العربية، شأن كل أعلام الحضارة الإسلامية التي تتمركز حول محورها الثابت ألا وهو القرآن المبين. أما لغته الأم؛ أي اللغة الخوارزمية فهي لهجة من لهجات اللغة التركية، لأنه من مواليد خوارزم – أوزبكستان حالياً، وتحديداً في مدينة كاث، ولكن مسقط الرأس ليس هو دائماً دامغ الهوية. فقد عاش البيروني في رحاب الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وصدق إيمانه بدينها، ودان بالولاء العميق لها، وانتمى لزمرة أعلامها، وساهم في مدّها العلمي، أخذ منه وأعطاه، وكتب بلسانها وآثره على سواه، حيث أجاد البيروني العربية وبرع فيها وهو القائل: (إن الهجو بالعربية أحب إليّ من المدح بالفارسية)، فقد دان البيروني بالولاء العظيم والعميق للعروبة، وعلى هذه الأسس يمكن أن نتفهم نصاً بالغ الأهمية والدلالة، قاله البيروني في مقدمة كتابه “الصيدلة في الطب” واستهله بتأكيد أن كل أمة من الأمم “اليونان والعبرانيين والنصارى والهنود والمغاربة” موصوفة بالتقدم في علم أو عمل، حيث يقول أبو الريحان:

(ديننا والدولة العربية توأمان، يرفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليد السماوية، وكم احتشد طوائف من التوابع وخاصة منهم الجيل والديلم، في إلباس الدولة جلاليب العجمة، فلم تنفق لهم في المراد سوق، ما دام الأذان يقرع آذانهم كل يوم خمساً، وتُقام الصلوات بالقرآن العربي المبين خلف الأئمة صفّاً صفّاً، وَيخطب به لهم في الجوامع بالإصلاح كانوا كاليدين والفم، وحبل الإسلام غير منفصم وحصنه غير منثلم، وإلى لسان العربية نقلت العلوم من أقطار العالم وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وإن كانت كلّ أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها واستعملتها في مآربها مع آلافها وأشكالها، وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب، والزرافة في المكراب، ثم منتقلة إلى العربية والفارسية، فأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف، والهجو بالعربية أحب إليَّ من المدح بالفارسية).

إذاً، التسامح والانفتاح على تراث كل الأمم، وراءه إيمان العالِم بوحدة العلم وتكامل الجهود في طريقه، ولم يتعارض هذا مع إيمان معتزّ بالدين الإسلامي، جعله يرفع من شأن العروبة ولغتها الجميلة التي ترجم إليها أسفاراً، ثم تعود موضوعية العلم لتؤكد أن كل اللغات سواسية من الناحية الموضوعية، متفاضلة على أسس ذاتية. فينحو على ذاته ويتذكر لغته الخوارزمية التي هي غريبة ومغتربة عن العلم لكنه اقتحم لغتي الثقافة؛ أي العربية والفارسية وللأسباب الدينية والحضارية المذكورة تعلو الأولى على الثانية إلى أبعد الحدود.

 وعلى الرغم من عشق البيروني للغة العربية جاءت كتاباته بعيدة عن الزخرف اللفظي والتنميق بغير داع، ومكسوة مع هذا بمسحة جمالية عذبة، والأهم أنها أنموذج لمنهجية التفكير وتسلسل الأفكار، متحرية الضبط عن طريق استعمال مصطلحات دقيقة أو على الأقل محدّدة. إنها على الإجمال كتابة علمية لأقصى حد يمكن أن يسمح به العصر الوسيط، خصوصاً وأن عالِمنا كان يكتب دائماً واضعاً نصب عينيه أنه عالِم متبحر، لا يكتب للدهماء، ولكن لصفوة العلماء، فيتعمد البعد عن الأمثلة التي توضح بقدر ما تبسط وتسطح، يقول البيروني: (إني أُخْلِي تصانيفي من المثالات، ليجتهد الناظر فيها ما أودعته فيها، من كان له دراية واجتهاد وهو محبٌّ للعلم، ومن كان من الناس على غير هذه الصفة فلست أبالي فهم أم لم يفهم).

دأب البيروني على جمع ما للقدماء والمحدثين من رؤىً ونظريات في القضية المطروحة للبحث، خصوصاً حين يطرح برهانه الهندسي لا بد وأن يسبقه بالبراهين التي طرحت قبله، ولا يخلو الأمر من مقارَنة موضوعية، وكان مولعاً بالجدل ونقد العلماء السابقين عليه والمعاصرين له وتبيان أخطائهم وتصحيحها. فهكذا فعل مع الكندي وثابت بن قرة وإبراهيم بن سنان وأبي الحسن البصري، وبطليموس وأرشيمدس وإرازموس، وغيرهم، كما كان ينقد ويُصحح نظريات أصحابها غير معروفين. وديدنه في هذا ألا يعمد أصلاً لدراسة موضوع إلا بعد أن يحيط بكل ما كتب عنه، ويقيمه وينقده، ورائده عدم التسليم بأية قضية مهما كانت مشهورة إلا بعد امتحانها وإثبات أنها جديرة بالتسليم، ثم لا يتوانى عن تقدير آراء الغير، وتحري الأمانة في إثبات الفضل لذويه، قائلاً أنه تعلم من أساتذته إعمال الرأي والبعد عن التعصب وطلاقة الفكر ليمزج بينها وبين ما أخذه عن الفارابي فتكون يقظة العقل ووثبة الذهن وسلامة المنهج.

البيروني تأثر بالفارابي وبالرازي وابن سينا وبالكندي والمسعودي والفلكي الهندي فاراهميرا وسواهم ممن سبقوه، فمثلاً كتابه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، ذو مكانة فريدة تجعل البيروني بحق مؤسس علم الأديان المقارن، فرغم أنه عالم مسلم فإنه يبحث في العقائد الوثنية وتاريخها، خصوصاً وأن هذا الكتاب يسبق كتاب الشهرستاني، ثم إنه لا يقتصر على المِلَل والنِّحَل، فهو دراسة منهجية فذَّة بقدر ما هي شاملة، وللبيروني قدرة على التأليف بين تراث الحضارات المختلفة ولأنه ممثل لمسار التقدم العلمي في عصره، فليست قصة العلم إذن خطاً مستقيماً من اليونان إلى غرب أوروبا، بل هي ميراث أممٍ شتى. وكان البيروني عميق الاستيعاب لتراث الإغريق، ولكن ما يؤكد عالمية العلم أن الهند التي كانت فاتحة اتصال العرب بالرياضيات والفَلك منذ القرن الثاني الهجري، كانت أيضاً الرافد الدافق الذي ساهم بقوة في تشكيل عقلية البيروني، فقد مكث فيها سنيناً طويلة، وبذلك عمل البيروني طوال مدة مكوثه على نقل علوم الإسلام والإغريق للهند. وإتقان لغة الهنود السنسكريتية واستيعاب العلوم الهندية ونقل صورة علمية دقيقة عن الهند للمسلمين، في مؤلفات متعددة.

وفي كتابه “تحقيق ما للهند…”، تعمق في وصف الهند من كل النواحي لكنه اشتمل أيضاً على عادات الهنود وأديانهم كمسألة “التناسخ”، وشرائعهم وأساطيرهم، وقال البيروني في هذا الخصوص: (نقلت إلى العرب كتابين؛ أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات واسمه “سنك” “وهو كتاب مفقود” والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويُعرف ﺑ “باتانجل”، حققه المستشرق ريتر وهو يحمل خلاصة مذهب اليوغا وفلسفة الهند الصوفية، وفيها أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم، به فروع شرائعهم).

وأما في كتابه “الصيدنة” والتي تعني الصيدلة، أما الأولى فتأتي لمركب العطور، بينما الثانية لجامع الأدوية، حيث استقصى البيروني في هذا الكتاب “تراث العرب” بالمفهوم الحضاري الشامل للعلم العربي المستوعب لكل الدوائر الحضارية التي دخلت في الإسلام، وهو مفهوم يصدِّق عليه البيروني قبل غيره، وتراث العرب ذو شأن في تاريخ علم العقاقير، كالرازي في كتابه الحاوي الذي أبدع فيه بالوصفات الطبية وتركيباتها، حيث أن الصيدلة كمؤسسة قائمة ظهرت لأول مرة في بغداد.أخيراً وليس آخراً، ومع نهاية جزئنا الأول، لا بد أن نتفق على أن العلم عن البيروني يصب في نهر الحضارة الإسلامية من أجل قيمها وأهدافها، نتفهم لماذا تتبدى منهجية البيروني بوجه خاص في حساب المثلثات. فقد اهتم به الإسلاميون؛ لأنه ضروري لحساب مواقيت الصلاة، كما أنه أساس علم الفلك الذي هو اهتمام البيروني الرئيسي، فقد عُني بالأرصاد الفلكية على اختلاف أنواعها، والتي تعتمد على معرفة الجهات الأصلية الأربع، من أجل تحديد أوقات وتعيين اتجاهاتِ أماكن العبادة، ووضع جداول للتقاويم وحساب أوائل السنين والشهور، سألخص بعضاً من الكلام بجملة، من لديه هكذا علماء يجزم أن الحضارة الإسلامية وجوارها، هي المدرسة الأولى التي نقلت كل التعاليم للغرب، والتاريخ يشهد، وللحديث بقية.

العلم والإيمان.. أبو الريحان البيروني


ساند الخليفة العباسي المأمون أول برنامج للأرصاد الفلكية، وخلال الفترة (133 هـ – 236 هـ)، كانت الدولة العباسية من السبّاقين في اكتشاف علوم الفلك الهندية والإغريقية، وبإيجاز، لقد كان للعرب والمسلمين في شتى العصور، إسهامات في مختلف الميادين، لعل ما يهمنا منها اليوم في جزئنا الثاني علم الفلك، أو علم الهيئة قديماً، فلم يكتفوا بدراسة هذا العلم، بل بنوا المراصد واخترعوا الآلات، وطوّروها في سبيل فهم هذا العلم، ورصدوا بها الكواكب والنجوم، ورسموا لها الخرائط وعيّنوا مواقعها.

قال تبارك وتعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وقد فصلنا الآيات لقوم يعلمون).

لا غريب عن العرب في مختلف الحضارات المتعاقبة اهتمامهم بالعلم والعلماء، وخاصة علم الأفلاك والأجرام السماوية، فهناك مرصد في حي الشماسية في بغداد، وآخر في جبل قاسيون بدمشق، وفي جبل المقطم قرب القاهرة، ولعل أهم من كتب في علم الفلك دون منازع كان أبو الريحان البيروني، وتعد كتاباته في هذا المجال من الكتب المطوّلة المستقصى فيها كل علم، والمثبتة لجميع ما جاء فيها بالبراهين الهندسية المتضمنة كافة الجداول العديدة ومن هذه الكتب القانون المسعودي، إلى جانب ذلك، لا بد من ذكر أن البيروني كان أيضاً من علماء الرياضيات وله كتب في التاريخ وعلم المعادن والصيدلة وفقه اللغة.

البداية مع التنجيم

في كتاب “التفهيم لأوائل صناعة التنجيم”، أي فهم مبادئ علم الفلك، كتب على شكل أسئلة وإجابات ويعتبر كدليل أو كتيّب، كان يحوي عن مبادئ علم الفلك إضافة إلى الهندسة والجبر، ويعتبر هذا الكتاب مقدمة ممتازة إلى علم الفلك والتنجيم الإسلامي في العصور الوسطى وهو مصدر شديد الأهمية في تعريفات المصطلحات الفنية في ذلك المجال، إلا أن أهم مصنفات البيروني في علم الفلك كان كتاب القانون المسعودي، يستخدم لفظ “القانون” في عنوان الكتاب وفي ذلك إشارة واضحة إلى جداول بطليموس المسماة بالقانون في المصادر العربية ومن ثم فإن عمل البيروني هو عبارة عن زيج (مجموعة من الجداول الفلكية) رغم أن محتواه يزيد عن الموجود في الزيج العادي بل هو نسخة محدثة من المجسطي لبطليموس. المجلد مُقسم إلى أحد عشر مقالة (مقالات) تتناول الكوزمولوجيَا والتسلسل الزمني وعلم حساب المثلثات (بما في ذلك النظريات الجديدة التي وضعها البيروني ورفاقه) وعلم الفلك الكروي والجغرافيا الرياضية وحركة الشمس والقمر والكسوف والخسوف ورؤية الهلال والنجوم الثابتة والكواكب وعلم الفلك الرياضي. كانت المبادئ الأساسية مبنية على نظام بطليموس ولكن القانون اشتمل على معلومات متعلقة بالثقافات الإسلامية الجديدة، وأضاف العديد من التصويبات نتيجة للملاحظات التي رصدها البيروني وأسلافه. ونظراً لأن العديد من المصادر المستخدمة قد فقدت في وقتنا هذا، يبقى كتاب القانون منجماً من المعلومات عن تاريخ علم الفلك الإسلامي حتى القرن الحادي عشر.

كان البيروني أكثر العلماء إلماماً بتاريخ الحضارة الإسلامية، حيث نذر حياته كلها في البحث العلمي رغم تنقله الكثير طوال حياته. فهذا القانون المسعودي هو المساوي في العصور الوسطى للمجسطي لبطليموس، الذي طوقته أعمال التحليل والنقد في العالم الإسلامي ما بين القرن الثاني للهجرة والقرن الخامس للهجرة ، وهو يمثل ذروة هذا المجال. (1)

وأنا أقرأ للعلماء العرب المسلمين قديماً وأركز على التواريخ والقرون، والقِدم، خاصة في التقدم العلمي في مختلف الميادين، عندما كانت حضارتنا الإسلامية في أوج عطائها، لم يكن هناك من نهضة غربية، اللهم إن قلنا اليونان، لكنها لم تكن حضارة غربية آنذاك، بل كانت مركز المدارس الفلسفية، ما لفتني أن هناك من يتغنى بالحضارة الغربية وبنهضتها، ولا ننكر ذلك، لكنها أتت بعد حضارتنا بأشواط، مع الإشارة إلى أن الفتوحات الإسلامية وصلت إلى أماكن بعيدة جداً، وتزاوجت العلوم، وهذا أمر طبيعي، إن وجد عالم عربي أخذ عن غربي فهو لا ينكر، أما الغرب يريدون نسب كل العلوم لهم، وهذا غير صحيح.

أطلق المستشرقون على البيروني، اسم بطليموس العرب، البيروني أيها السادة هو الذي وضع حجر الأساس بالنسبة لاكتشاف الجاذبية، حيث قال إن للأرض خاصية جذب الأجسام نحو مركزها، وتناول ذلك في آراء نشرها في كتب مختلفة، ولكن أشهر آرائه بهذا الخصوص ضمّنها كتابه “القانون المسعودي”، مما ساعد نيوتن فيما بعد بالتطوير من نظريات البيروني ووضعها بشكل تفصيلي، هذا تحديداً ما أقصده، الجميع اليوم يعتقد أن نيوتن وغيره من العلماء هم أصحاب الاختراعات، في حين أننا عرفناها منذ قرون، ليس هذا فقط، البيروني وضعا طرقاً لقياس نصف قطر الأرض، وتوقع وجود قارة أو أكثر في المساحة المائية التي تفصل بين قارتي آسيا وأوروبا، بناءً على افتراضات علمية ناتجة عن حساباته الدقيقة لقطر الأرض وتقديره لمساحات قارات العالم القديم. تم التأكد من صحة توقعه فيما بعد عند اكتشاف القارتين الأمريكيتين، أي قبل كريستوف كولومبوس، قال تبارك وتعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور)، تأمل معي مكانة العالم عند الله سبحانه وتعالى، هذه المكانة العظيمة التي خص بها العلماء ومنحهم الذكاء، فهل هي صدفة أن يكونون من أصحاب المراتب العليا، هذا هو ديننا الذي يقدّر العلم والعلماء ويدعمهم.

البيروني ناقش مسألة ما إذا كانت الأرض تدور حول محورها أم لا، (سبق بذلك العالم غاليليو وكوبرنيكوس)، لا عجب أنه الآن على سطح القمر، حيث سُميت فوهة بركانية على سطح القمر باسمه إلى جانب 300 اسم لامع تم اختيارها لتسمية الفوهات البركانية على القمر ومنها الخوارزمي وأرسطو وابن سينا، قال تبارك وتعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون).

البيروني نفى نظرية بطليموس بثبات الشمس، وقام بمهاجمة فيزياء أرسطو للأجرام السماوية بشكل متكرر، وقال بأن الخلاء الفيزيائي قابل للوجود من خلال مبادئ التجربة، كما أنه يقول بضعف حجة أرسطو في مسألة المدارات الإهليجية لأنها سوف تولد الخلاء، وتم استخدام بيانات الكسوف للبيروني حديثاً من قبل “دانثرون” عام 1749، لتحديد تسارع القمر، كما تم إدخال كتبه وعلومه في السجلات التاريخية الفلكية وما زالت تُستخدم إلى وقتنا هذا.

قال تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (فلا أقسم بمواقع النجوم إن لقسم لو تعلمون عظيم).

أخيراً، بدون أدنى شك، إن العلماء العرب والمسلمين هم أول من اشتغل في علم الفلك فكتبوا الكتب والمصنفات كثيرة في ذلك، ونهض هذا العلم على أيديهم، وكان لنظرياتهم الأثر الكبير في إثراء هذا العلم والبناء على ما توصلوا إليه من نتائج وكشوفات، فلهم الفضل في تقدم أبحاث الفلك والفضاء، في وقتنا الحاضر، وهذا يدل على دورهم الكبير في نهضة الكثير من العلوم والمعارف التي قدموها للحضارة الإنسانية جمعاء.


العلماء المسلمون.. المغيّبون عنّا

في الجزء الثالث والأخير وتعقيباً على مداخلات الأصدقاء الأعزاء، التي أثرتني وأكدت لي أنني أسير رافع الرأس على الطريق الصحيح، مزهواً بأمتي العربية والإسلامية، التي دفعتني إلى تناول شخصيات عربية وإسلامية في مختلف الميادين، ومن بينهم أبو الريحان البيروني، لأوصل رسالتي إلى كل العالم بأن في أمتي علماء قدموا العلوم والحضارة للإنسانية جمعاء، وعلمهم إلى اليوم منهاج يُدرّس في كل أصقاع الأرض.

إن ما أقوم به في مجمله هو رسالة للمنهزمين تاريخياً، والمأزومين طائفياً، لأن البعض الكثير، يقول إن إسلامنا كله غدر وحروب وسفك دماء وتعصب، بناءً على المخطط الذي دائماً ما أنبّه حوله، وهو أن هناك جهات كبرى تعمل على تشويه ديننا الإسلامي من كافة النواحي، من بينهم المستشرقين والصليبيين الحاقدين على الإسلام، ومن يقولون عن أنفسهم إنهم علمانيين، والملاحدة وما إلى هناك، لإثارة الشبهات العامة، وهنا قد أخرج قليلاً في هذا الجزء عن العالم الإسلامي الكبير أبو الريحان البيروني، لأوضح أن التعتيم الممنهج على علمائنا هو غاية استعمارية صهيو – أمريكية، وللأسف بإيادٍ عربية وإسلامية، بالاسم فقط.

هذا الأمر بطبيعة الحال، أثر على واقع الحياة اليوم، وفتح الباب على مصراعيه لجهة الاصطفافات الطائفية، كذلك تغييب التاريخ من خلال التعتيم على الكم الكبير من علمائنا العرب والمسلمين، ويعلمون الناس أن الحضارة الإسلامية من أقوى الحضارات التي عرفتها البشرية، (هم لا يفقهون شيئاً في الإسلام، يروون الأساطير دون رواية أو دراية ولا يعرفون أصلاً أن هناك علوم مختصة لذلك مثل علم الأسانيد وعلم الرجال، بل يعملون على تشويه هذا الأمر ليس إلا لأن أنفسهم مريضة وتوافق أو ترضي غرورهم المريض بما يسمى الطائفية وبالتالي يعبثون بالتاريخ، لكن تاريخنا مليء بالإشراقات ومن أكتب عنهم اليوم ما هو إلا جزء من ملايين الشواهد)، ولدينا مؤسسين لسائر العلوم التي يتغنى بها الغرب اليوم، مثل جابر بن حيان، مؤسس علم الكيمياء، لكن تجد رواية (الخيميائي لباولو كويلو) على سبيل المثال معروفة أكثر مما عمل جابر بن حيان، ونحن من مؤسسي علوم الرياضيات والبصريات مثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري، وعلم النحو مثل سيبويه، والخليل بن احمد الفراهيدي وأبو الأسود الدؤلي.

نحن من أسسنا دار الحكمة في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون، الذي كان يدعم علماء الفلك وسائر العلوم الأخرى من أمثال البيروني والخوارزمي وغيرهما، وهو الذي أرسل البعثات إلى القسطنطينية والإسكندرية وإنطاكية وغيرها من المدن وأنشأ مجمعاً علمياً في بغداد، ومرصدين أحدهما في بغداد والآخر في تدمر، وأمر الفلكيين برصد حركات الكواكب، كما أمر برسم خريطة جغرافية كبيرة للعالم، وتم افتتاح أول صيدلية قبل أي مكان في العالم في مدينة بغداد.

لكن في العقود الأخيرة بدأ النهج يتغير، وكان هناك استغلال بات ملحوظاً خاصة على المنابر الإسلامية من أجل إما الوعظ الأجوف وإما التحريض بين الطوائف الإسلامية، وما بين الماضي والحاضر، قديماً كانت المذاهب هي الطرق إلى الله تبارك وتعالى، وطرق للتعبد، وكانت عبارة عن مدارس فقهية لا أكثر ولا أقل، يقابل ذلك أن الحضارة والإنجازات استمرت وتم تقديمها بأبها حللها من ثقافة وفقه ودين وتصوف وموسيقى وطب وعلوم مختلفة، كلها كان يجمعها العرفان والمحبة، مثلاً في العصر الأندلسي بدأ تبويب الكتب الفقهية على سبيل المثال، وهذه هي قمة ما يمكن أن يصل إليه أي مرء، لماذا اليوم تبخسون بحضارتنا ولأجل ماذا؟ لأجل متاع الدنيا؟ قال تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).

كان العلماء المسلمون يؤلفون حتى في الموسيقى من باب الترف، وكانت الدولة العباسية مهتمة جداً بتطوير العلوم في كل المجالات، ولا بد من الإشارة إلى أن أول جامعة أقيمت في العالم كانت في مدينة السلام “بغداد”، لكن انظروا إلى حال بغداد اليوم بعد أن كانت من كبرى العواصم الإسلامية، وهو ما يعيدنا إلى أن المنابر اليوم لا تبين عظمة هذه الحضارة، لنسأل أي مواطن عربي اليوم عن أي عالم عربي، أجزم أن قلة قليلة من يعرفون عنهم، والجواب سهل وبسيط، هناك اليوم من يستغل الدين لتحقيق مكاسب سياسية من خلاله، لأن العلم يكشف زيف ادعاءاتهم، والجهل هو الغالب لاستمرارهم، فأصبحت ترى بعض المذاهب اليوم عبارة عن دكاكين تروج لمذاهبها، من خلال هذا الأمر، وترى استثمارات الكثير من المراجع الإسلامية في العواصم الأوروبية، من سلسلة مطاعم إلى مشاريع ضخمة ليس للجهل مكاناً فيها، وإنما تأسست من جيوب الشعوب المستضعفة والمتاجرة بالدين سياسياً أو مذهبياً وهذا يسجل على الجميع إسلاميين وعلمانيين وليبراليين وغيرهم، وليسأل البعض عن شارع “الصِهرين في لندن”.

وبالتالي، إن كمية الوعظ في الـ 40 أو الـ 50 سنة الماضية وإلى يومنا هذا، نحتاج إلى أطنان من المداد لكتابتها، وكل الكتب التي خرجت خلال تلك المدة، لا ترى هدفاً فيها ولا مشروعاً، بل عبارة عن كتب وعظية، هل توقف الزمان وتوقف الاختراعات والاكتشافات ونضب العلم؟! وترى شباب اليوم يقرأ كتباً للغرب ينبهر فيها، لو كلّف وقتاً قليلاً لنفسه وبحث لوجد أن قانون الجاذبية أول من تحدث عنه البيروني، ولوجد أن المنطق والفلسفة بين العقل والنقل أول من تحدث عنها أبو حامد الغزالي “حجة الإسلام”، ووجدت كتاباته في طيات كتاب للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، العرب هم من أنار العصر الأوروبي من خلال عصر الترجمة من العربية إلى اللاتينية، بدءاً من الفارابي والكندي وابن سينا وابن الهيثم والخوارزمي وثابت بن قرة والبيروني… إلى ابن رشد، لاحظ معي فضل العرب على الغرب: (الشريف الإدريسي صاحب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” صنع لملك صقلية روجر الثاني في القرن الثاني عشر كرة من الفضة زنتها أربعمائة رطل رومي ليضع عليها معالم الكرة الأرضية، وقد وضع الإدريسي خرائط لمنابع النيل ووصل إلى فكرة كروية الأرض، أو كما تخيلها “كمثرية”، وهناك الرحالة المشهورون مثل المسعودي وابن حوقل وياقوت الحموي والبيروني)، وبالتالي، فضل العرب وحضارته الشرقية لا تقوم بغيره الحضارة الغربية أصلاً، شاء من شاء وأبى من أبى.

القرآن الكريم بحد ذاته هو كتاب علمي كبير، فيه ترهيب وترغيب ووعظ وقصص وتأملات وأحكام (أفلا ينظرون، أفلا يتفكرون)، القرآن الكريم أول كتاب دعا إلى التأمل في كل شيء، فإذا كان كتاب الله تبارك وتعالى متوازن، ولم يعتمد فقط الجانب الوعظي، كيف لكم أنتم من تعظون البشرية خلافاً لكل الأمور الأخرى، توازنوا لأن ديننا متوازن وليس كله وعظ وإرشاد.

البيروني على سبيل المثال، علم ماذا يريد من الحياة، وأعطى البشرية بما يعرفـ وطور معارفه وعلومه بما يخدم الجميع، كذلك الغزالي الذي لم يتخصص في علوم الحديث رغم دراسته لها، لكنه علم ماذا يريد من هذه الحياة وأكمل في الجانب الذي يرى فيه، حتى لقّب بمجدد القرن الخامس عشر، أما واقعنا، عالم الدين فقيه حتى في الطب وكل شيء، هذه هي الرسائل التي أتعمد إيصالها بسلسلة المقالات التي أكتبها، لتعرفوا رسائل علمائنا المسلمين وهدفها من الحياة ولماذا عاشت حتى اليوم، فكل تلك العلوم بنى الغرب عليها، لذلك تراه جاد في النهضة والتقدم، على عكسنا اليوم، يأتيك فلان ويقول ذهبت للعلاج في أمريكا أو بريطانيا أو ألمانيا، غير مؤمن بقدرات بلده رغم أن أمهر الأطباء هم من العرب مثل الطبيب المصري مجدي يعقوب، فارس أخطر جراحات القلب في العالم، والطبيب المصري، محمد غنيم، قِبلة مرضى الكلى، والطبيب نجيب باشا محفوظ، أبو طب النساء والتوليد في مصر، والطبيب الجزائري إلياس زرهوني، رائد تشخيص المرضى بدون جراحة، والطبيب العراقي، عمر فخري، الجندي المجهول الذي أنقذ حياة ملايين الأطفال المولودين حديثاً، والطبيب الأردني، عدنان عبد اللات، أحد أفضل أطباء وجراحي الأعصاب في العالم، والطبيب اللبناني مايكل دبغي الطبيب الذي اخترع الجراحة التي أنقذته من الموت وغيرهم الكثير.

أخيراً، أيها الأخ العربي، استيقظ، خذ الإيجابيات ودعك من السلبيات، ارجع لتاريخك واقرأ عنه وافتخر، في الطب والفقه والأدب واللغة، انظروا ماذا قال الغرب على سبيل المثال عن أبو الريحان البيروني: (يقول المستشرق “سخاو”: “إن البيروني من أضخم العقول التي ظهرت في العالم، وإنه لأعظم علماء عصره ومن أعظم العلماء في كل العصور” . … كما يعترف “سميث” في كتابه “تاريخ الرياضيات”: ” بأن البيروني كان ألمع علماء عصره في الرياضيات، وأن الغربيين مدينون له بمعلوماتهم عن الهند ومآثرها في العلوم”).

وبالتالي عندما رأى المستشرقون قوة العلماء المسلمين وقوة الإسلام بمختلف العلوم التي قدمها، جاء دورهم الهدام لتهديم هذا الفكر، رغم أنهم كانوا يخافون من الإسلام والمسلمين،  لذلك لا تستمعون للمهزومين تاريخياً وللطائفيين، وبالمناسبة، كان أول أمس ذكرى افتتاح جامعة المستنصرية التي أفردنا لها الحديث في عهد الدولة العباسية التي مرت مرور الكرام دون أن يذكرها أي من المثقفين أو رواد العلم الحديث، والشيء بالشيء يذكر: (المستنصرية مدرسة عريقة أسست في زمن الدولة العباسية في بغداد عام 1233 على يد الخليفة المستنصر بالله العباسي، وكانت مركزاً علمياً وثقافياً هاماً)، وإن شاء الله سنفرد عنها وعن المدارس الإسلامية والصروح العلمية جانباً مستقلاً في المستقبل القريب، ليس لأنها إسلامية بل لأنها إنسانية، ورحم الله كل علمائنا فخرنا واعتزازنا.

*كاتب ومفكر – الكويت.

كتاب “بحوث في تاريخ العلوم عند العرب” – يمنى طريف الخولي.

انظر: البيروني: البيروني: ذروة في تطوير علم الفلك الإسلامي – الأستاذ خوليو سامسو – 2014.