مقالات بأقلامكم

الفيلسوف المعلم تولستوي “رجل السلام والكفاح” بقلم د.عبد العزيز القطان

د. عبدالعزيز القطان
محام وإعلامي كويتي

عندما تكون الكلمة السلاح الأقوى وتتحدى المعتقد وتتحدى الحكومات، وتصطف إلى الناس بروحانيتها وطبيعتها وبساطتها، لقد ترك كل الدنيا وحياة البذخ وقرر الانضمام إلى الكادحين وبذل الحياة للعمل الإنساني والموعظة والأخلاق بأسلوب متميز، عن المؤلف الروسي والكاتب الكبير وفيلسوف الشعب وضمير الفقراء، الثائر واللاعنفي إنه ليف تولستوي أو الشهير بـ ليو تولستوي.

امتاز الأدب الروسي في القرن التاسع عشر بأيديولوجية فكرية خاصة ميزته عن غيره، كان عنوانها الأبرز “الإنسانية” فكل متعمق بالأدب الروسي يشعر مباشرةً أن كل أدباء تلك الفترة كان اهتمامهم منحصراً بالحالة الاجتماعية وقضايا الإنسان الفردية.

ليو تولستوي (1828 – 1910) مؤلف وكاتب روسي، له العديد من الأعمال الأدبية التي تعد من بين الأعظم على مر التاريخ. ساهم تولستوي بشكل كبير-إلى جانب دوستويفسكي وتورغينيف في النهضة الكبيرة التي شهدها الأدب الروسي خلال القرن التاسع عشر. كان له العديد من المواقف الجريئة مثل التخلي عن ثروته ومعارضة الكنيسة. وتحول في المرحلة الأخيرة من حياته ليغدو أشبه بزعيم أخلاقي وديني، فإن قلنا عنه أنه أحد أهم عمالقة الأدب الروسي، فلا مبالغة في ذلك، ترعرع تولستوي في كنف عائلته الأرستقراطية، فوالده كان الكونت نيكولاي تولستوي، أما والدته فكانت الأميرة فولكونسكايا، التي تنحدر من سلالة روريك، أول حاكم في تاريخ روسيا، لكنه عاش يتيماً فقد أمه وهو ابن سنتان ونصف، وأباه حين أكمل عامه التاسع.

هذا الكاتب المغمور كان جندياً نعم وضع بلده أولاً وقبل كل شيء، لكن لم يكن ذلك كل طموحه، فلقد تنقل كثيراً منذ الطفولة بعد وفاة والديه، ففي فترة من فترات السلام من القرن التاسع عشر، عمل على تأليف قصة تروي سيرته الذاتية، أطلق عليها اسم “الطفولة”، تلا ذلك كتابة قصة اسمها “القوزاق”، تروي يومياته داخل وحدته العسكرية، ولكنه لم يكملها إلا بعد مغادرته الجيش، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه شارك بحرب القرم، وحصل على وسامي بطولة من القيصر الروسي، وعلى نحو مثير للدهشة، تمكن تولستوي من مواصلة تأليف الكتب حتى أثناء خوضه غمار حرب القرم؛ فقد نجح في تأليف رواية “الصبا”، التي تعد تتمة لرواية “الطفولة”، كذلك، عبّر عن آرائه حيال التناقضات الصارخة خلال الحرب في سلسلة كتبه التي حملت اسم “حكايات سيباستوبول”.

كان تولستوي كارهاً للحروب، وعانى من مشاركته فيها، لكن كان يشرعنها في حالة واحدة فقط وهي حالة الدفاع عن الوطن ضد الغزاة، وغير ذلك ما من داعٍ لزهق الأرواح لأجله، فقط كان يدعو إلى الحوار وحل المنازعات بعيداً عن الدم والبارود، وهذا يأخذنا إلى عشاق الحروب اليوم وكمية الأرواح التي زهقت لأجل ماذا وهذه الحياة مجرد محطة قصيرة للإنسان، وبالعودة إلى المعلم الكبير وعند زيارته إلى فرنسا، زار قبر نابليون بونابرت، ووقف عند قبره وقال: (هذا ليس إلا لص أثيم، لقد بنى مجده الشخصي على أكداسٍ من جثث البشر، وأنهارٍ من دمائهم، وكانت جيوشه الجرارة عبارة عن أرتالٍ من الوحوش الضارية التي مارست أبشع جرائم القتل لصالحه).

اللافت في هذه الشخصية أنه لم يحذو حذو أقرانه من الكتّاب في زمانه، فلم ينضم إلى أي مدرسة فكرية أو فلسفية، بل اعتمد له فلسفة خاصة به أطلق عليها اسم “الفلسفة الفوضوية”، رغم أنه عند التحاقه بالجامعة اختار بنفسه اختصاصي التركية والعربية، وكان يعرف عدد من اللغات مثل العبرية والقليل من العربية، وكان يسمي العرب “المحمديين”، وكان متأثراً جداً بالحكم القرآنية أي “الآيات القرآنية” التي كان يسميها “الحكم”، وكان متأثراً جداً بكل الأنبياء، لكن كان له دينه الخاص به، لأن كان طوال حياته يبحث عن العصا الخضراء في الغابة للبحث عن السعادة كما روى له اخوه نيكولاي الحكاية في طفولته، ولعل قلة من الناس لم تقرأ لتولستوي أو تشاهد أفلاماً مستمدة من رواياته مثل “آنا كارنينا”، التي حققت له شهرة وثروة في آنٍ معاً، لكن لم يصل هذا الإنسان إلى ارتياح أو شعور بالرضى بل دخل في حالة اكتئاب وشرع يبحث عن إجابات حول تساؤلاته عن معنى الحياة، فلجأ إلى الكنيسة الأرثوذكسية ولكنه لم يجد ما يبحث عنه. وبعدما تعمق في النصوص الدينية، توصل إلى اعتقاد مفاده وجود فساد الكنيسة المسيحية، فاعتنق مبادئ جديدة بعيداً عن معتقدات الدين، لكن بموازاة ذلك لم تغض الكنيسة الطرف عن آراء تولستوي، فأعلنت حرمانه وإبعاده عنها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان أيضاً خاضعاً لمراقبة الشرطة السريّة.

يقول تولستوي: (ليس ثمة ما يدعو المرء إلى الشعور بالخجل أو الأذى، إذا كان لا يعرف شيئاً ما، ليس في وسعنا أن نعرف كل شيء، ولكن من المخجل والمؤذي أن تتظاهر بأنك تعرف ما لا تعرفه).

تولستوي كان منفتحاً على كل الثقافات بما فيها الثقافة الإسلامية، وهنا لا بد من ذكر أمر بغاية الأهمية أن هذا المؤرخ الكبير كان معجباً بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن من زاوية إصلاحية واجتماعية لا دينية، حيث أعجب بلم شمل العرب ووقف الدماء وإرساء النظم الأخلاقية والاجتماعية، ويقول تولستوي حول هذا الأمر: (مما لا ريب فيه أن النبي محمد كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني، خدمةً جليلة، إذ إنه هدى أمة وثنية بأكملها، وجعلها تعيش السكينة والسلام، وتؤثر عيش الزهد ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهذا عمل عظيم لا يقوم به شخص واحد مهما أوتي من قوة، لذلك رجل مثل النبي محمد جدير بالاحترام وجدير بالإجلال)، وهناك كتاب لتولستوي بعنوان “حكم النبي محمد” تم نشره بعد وفاته.

تولستوي كان ينبذ العنف ويركز على العمق الإنساني، فعلى الرغم من أنه ابن عائلة ارستقراطية وكان في أحد الأيام أميراً، فكما أشرت أعلاه أبوه كونت ووالدته أميرة وجده حاكم الإمبراطورية الروسية، لكنه كان يفتخر بارتدائه زي الفلاحين والكادحين، ووزع أراضيه على من كان يعمل لديه ولدى عائلته، لقّب بالمعلم لأن كان يعلم أبناء الفلاحين أهم قيم الحياة وهي التسامح والحب والبساطة، التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، لكن لا معلم لدينا في زحمة هذه الفوضى، الإمام محمد عبده كان بينه وبين تولستوي مراسلات، والأديب الكبير نجيب محفوظ قال إنه كان يتمنى أن يكتب رواية مثل رواية “الحرب والسلم” لتولستوي، هذه الرواية جمعت في صفحاتها كل قضايا البشرية والبحث عن الله بالإضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا لا بد أن أتوقف قليلاً للحديث عن نوع المراسلات بين المؤرخ الكبير والإمام الشيخ محمد عبده (1849 – 1905) الذي كان مفتياً للديار المصرية عند تبادل الرسائل والتي تعود إلى اكثر من 150 سنة، وموجودة في المتحف الروسي بصندوقين زجاجيين، وأما رسالة تولستوي فكانت بالفرنسية، ورسالة الإمام بالعربية، هذا الأمر يثير الدهشة إلى حد ما، فما الذي يجمع بينهما؟ فعلى الرغم أنهما من بلدين مختلفين، ودينيَن مختلفين؟، لكن الجامع بينهما قواسم فكرية مشتركة مثل الدعوة إلى السلام ونبذ العنف، والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي على كل الأصعدة، إضافة لنظرتهما المتقاربة في مسألة القيم الأخلاقية، وحق الإنسان في الحياة في إطاره معتقده الذي يرغب، هذان الرائعان لم يلتقيا وجهاً لوجه، لكنهما التقيا في فضاء الفكر الإنساني الرحب من خلال المراسلة.

بدأت هذه المراسلات في العام 1904، عندما طلب الإمام محمد عبده من صديق مشترك مسافر إلى روسيا بأن يوصل رسالة إلى تولستوي، كان الهدف من رسالة الإمام، إظهار الاحترام والتقدير لتولستوي كأديب وفيلسوف كبير، وأيضاً إظهار الدعم المعنوي بعد حرمانه كنسياً نتيجة إنسانيته ومواقفه من الكهنة، أيضاً أراد الإمام المجدد في رسالته مدح بعض جوانب الأديب الروسي بما يتعلق بكلامه الطيب عن الدين الإسلامي والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووصلت الرسالة وسرّ الفيلسوف الروسي جداً به لبلاغة وجمال ما جاء فيها، ورد مباشرةً برسالة ظهر فيها عمق تولستوي في الشؤون العربية والإسلامية، اللافت والمزعج في آنٍ معاً أن البشرية خسرت مخزوناً فكرياً كبيراً، لأن تعارفهما تم في الكبر، حيث توفي الإمام بعد عام من هذه المراسلات، ولحق به المفكر الكبير بعد 5 أعوام.

يقول تولستوي: (المعنى الوحيد للحياة، هو خدمة البشرية).

قدّم تولستوي نفسه خلال السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته بوصفه زعيماً أخلاقياً ودينياً، فأثّرت أفكاره حول المقاومة السلمية للشر على شخصيات كثيرة من بينها المهاتما غاندي، الذي كان متأثراً به كثيراً، وأيضاً مارتن لوثر كينغ وغيرهما الكثير.

يقول تولستوي: (لا يحق لنا بأي حال أن نسخط على هذه الحياة، لنا أننا ساخطون عليها، وإذا كان يبدو، فهذا يعني ان ثمة ما يسوغ لنا السخط على أنفسنا، قيل لرجل حكيم أن بعض الناس يعتبرونه غبياً، فأجاب: من حسن الحظ أنهم لا يعرفون كل شيء عني وإلا لقالوا ما هو أكثر سوءاً) هذا الكلام سجله تولستوي بجهاز أهداه له توماس أديسون المخترع الكبير الذي كان صديقه.

السينما العربية كان لها حكايات مع تولستوي، ومن أشهر الأفلام المأخوذة عن رواياته، فيلم “سيدة القصر” لعمالقة الفن المصري عمر الشريف وفاتن حمامة، تأثر الكاتب العظيم أيضاً بحكايات ألف ليلة وليلة، وبمطلق الأحوال تشعر وكأن للشرق سحر خاص لديه، كما أن لم يكن يوماً شخص يبحث عن المجد بقدر ما كان همه الأكبر إصلاح البشرية، يقول تولستوي: (النهر العميق الهادر، مهما رميت به من أحجار لا تؤثر فيه) وهكذا يكون الإنسان العميق برؤية الفيلسوف والمعلم الكبير.

أخيراً، كانت وصية تولستوي أن يدفن في الغابة بجوار منزله دون شاهد على قبره لخلافه مع الكنيسة على الرغم من أنه كتب الإنجيل وقام بترجمته وطلب أيضاً أن يكون قبره بسيطاً، توفي وهو بعمر الـ 82 عاماً عندما أراد أن يبحث عن تولستوي جديد، مغادراً منزله إلى بيت أخته مشياً حتى محطة القطار، التي كانت تبعد مسافة طويلة عن بيته، وأصيب بالتهاب رئوي خاد بسبب البرد الذي تعرض له، كان لوفاته وقعاً كبيراً على محبيه وكان في وداعه بمسقط رأسه الآلاف من محبيه، ليكون العام 1910 عام رحيل أعظم روائي في العالم.

د. عبدالعزيز القطان
محام وإعلامي كويتي


كاتب ومفكر – الكويت.