مقالات بأقلامكم

تشومسكي: ماذا حدث عام 1973 في التشيلي؟ – بقلم د.عبد العزيز القطان

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

تربّى في كنف الولايات المتحدة الأمريكية تلك الدولة العظمى، وعاش بين اليهود، وكان صهيونياً في بداية حياته، لكنه انقلب عليها، اتهم بمعاداة السامية، لدفاعه الكبير عن حقوق الفلسطينيين إلى الآن، ناقد حاد لليبرالية التي يصفها بالمتوحشة، وللسياسة الخارجية لحكومات بلاده، وخاصة تدخلاتها العسكرية منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، “أب اللسانيات الحديث”، إنه المفكر والكاتب والأكاديمي والسياسي الأميركي؛ أبرز مثقفي العالم، نعوم تشومسكي.

إن أسلوب نعوم تشومسكي يظهر بعض من جوانب تشكل العالم الجديد ربطاً بالأحداث التاريخية، من خلال مؤلفاته الغزيرة والكثيرة، مثل سلسلته التي تنتمي للفكر السياسي المقارن والتي بدأها بـ “النظام العالمي القديم – الجديد” كشف فيه محطات تاريخية من تشكل القوة في بنية الدولة العالمية، يلي ذلك مؤلفه “ماذا يريد العم سام” ليبدأ بتعرية هذا العالم وهذه الهيمنة الاستعمارية، لذلك دائماً ما كنا نركز على أهمية التاريخ ودراسته، فلا حاضر دون ماضي، ولا معرفة دون قراءة التاريخ، لفهم واقع اليوم لا بد أن تعرّج على الأمس وما قبله، فكله عملياً مرتبط ببعضه البعض، ويبدو أن هذا النهج سار عليه كبار العلماء في مختلف الميادين.

من هو نعوم تشومسكي؟

ولد أفرام نعوم تشومسكي يوم 7 ديسمبر/كانون الأول عام 1928 في حي “أوك لين” الشرقي بمدينة فيلاديلفيا (ولاية بنسلفانيا الأميركية)، لعائلة يهودية يسارية الفكر، أبوه ينحدر من أوكرانيا وأمه من بلاروسيا، نشأ مع أخيه في بيئة يهودية وتعلم اللغة العبرية التي كان والده يدرّسها، وشهد نقاشات داخلية بين أفراد أسرته حول نظرية الصهيونية السياسية.

أما عن توجهه الفكري، انضم تشومسكي في صغره إلى جمعيات متعددة لكنه عُرف بانزعاجه من طريقة التدريس الصارمة آنذاك. أعجب بأفكار التيارات اليسارية وإن انتقد الماركسية فكراً وسياسة، اتهمته لاحقاً الأوساط الصهيونية بمعاداة السامية لأنه دافع عن حق أستاذ جامعي فرنسي في حرية التعبير دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين، وهو الدفاع الذي ما فتئ المفكر الأمريكي يمارسه منذ عقود، كل ذلك حثه ودفعه للعلم والدراسة، يوصف تشومسكي بأنه “أب اللسانيات الحديث” وصاحب نظرية “النحو التوليدي” التي تعد أهم إسهام في مجال النظريات اللغوية في القرن العشرين. ومنذ التحاقه بالمعهد قام مرات بتعديل نظريته اللسانية لكن مع الحفاظ على مسلماتها الأساسية. كما يعتبر منشئ نظرية “تسلسل تشومسكي” الخاصة بالتحليل اللغوي.

سياسياً، اهتم تشومسكي مبكراً بالفلسفة الفوضوية وتوسع في انتقاد الرأسمالية الليبرالية والدعاية في وسائل الإعلام إضافة إلى السياسة الخارجية الأميركية، ولذلك فإنه لا يتردد في وصف نفسه بـ”النقابي الفوضوي، والليبرالي الاشتراكي”، ساند حركة الطلاب الاحتجاجية عام 1968، واعتقل عدة مرات حيث أدرجه الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون ضمن لائحة “أعداء البلاد”.

تعرية العم سام

اشتهر عام 1967 بمعارضته للتورط العسكري الأميركي في فيتنام، من خلال مقالته “مسؤولية المثقفين” فصُنف ضمن “اليسار الجديد”، ورأى أن هجمات 11 سبتمبر 2001 اشتهرت فقط لأنها فعل خارجي ضد الغرب، مشيراً إلى أنه لا أحد يتذكر أن هناك “11 سبتمبر” وقعت عام 1973 حين رعت الولايات المتحدة انقلاباً دموياً في تشيلي، عارض الغزو الأميركي البريطاني للعراق عام 2003، وقال فيما بعد إن ذلك الغزو هو الذي خلق البيئة المناسبة لنشأة تنظيم الدولة الإسلامية، بسبب ما خلفه من تدمير للمجتمع العراقي وإرساء للطائفية فيه، تماماً وواقعاً وحقيقةً إن هذه هي حقيقة تلمسها كل عربي اليوم، تلمسها كل تواق لنعمة الأمن المفقود بسبب المخططات الأمريكية القديمة الجديدة، يكفي أن تقرأ تاريخك كما أشرنا أعلاه لتعرف حجم الأطماع التي تحيط بنا، العراق دُمّر بكذبة وتلته الدول الباقية، يريدون كسرنا وتدميرنا، لكن إن عريناهم من الآن لألف عام طالما أنظمتنا العربية الرسمية تخاف الأمريكي، كل نصائحنا وكل كلامنا لن يحقق نتيجة مرجوة.

يقول تشومسكي إن الولايات المتحدة تخشى قيام أية ديمقراطية حقيقية في المنطقة العربية، خاصة مع اندلاع ثورات الربيع العربي وتداعي قوى هيمنتها على العالم، لكنها تستبيح بلادنا لنشر الديمقراطية الأمريكية ليست كالتي في بلادها لكنها لإسقاط الأنظمة ونشر الفوضى وتدمير البلاد فهم القاضي والجلاد، لقد شاء الله تبارك وتعالى أن تكون بلادنا غنية وأن تكون عرضة لأطماع الغرب، لذلك لا يريدون لنا أن نعيش من خيرنا، يريدون التحكم بنا، وسبق وأن نشرت مقالاً بعنوان “ذاكرة الأمة العربية في خطر”، اليوم لا نملك أي ذكريات جميلة، كل حاضرنا وماضينا يتمحور حول الحروب والصراعات والدماء، اقتتال طائفي ومذهبي بغيض، تقسم وحدود سايكس بيكو، إن لم ينجحوا بالهيمنة سياسياً، يبدئون بتحريك أدوات الشر لتخريب بلادنا، بدءاً من تخريب العقول والتخريب مع الأسف مستمر.

يقول تشومسكي: (إن “إسرائيل” تنتهج سياسات من شأنها زيادة المخاطر المحدقة بها إلى أقصى حد، “فهي سياسات تختار التوسع على حساب الأمن، وتقود إلى انحطاطها الأخلاقي وعزلتها ونزع الشرعية عنها، الأمر الذي سيؤدي إلى دمارها في نهاية المطاف، وهذا أمر غير مستحيل)، في آخر جملة من هذا القول، فعلاً عندما توجد الإرادة ويتوحد الموقف لا شيء مستحيل، هذا يقين وحقيقة ساطعة أؤمن بها منذ أن عرفت أن هناك كيان صهيوني احتل أرضاً عربية ودمر شعباً عربياً، وحلمه التمدد من الفرات إلى النيل، وهذا هو مركز الاضطرابات الحالي، لكن ما دام هناك شرفاء لن تتحقق هذه الغاية بإذن الله تعالى.

وبالتالي، هنا لا بد من شرح فكرة غاية في الأهمية، أن المراجعة الفكرية لأي شخص يصنّف نفسه محلل أو باحث سياسي هي حالة صحية، وإن أخطأ في مكان عليه الاعتراف لأن ذلك يزيد من رصيده، فالمعرفة المطلقة لا يحصلها أي شخص دفعة واحدة، وإنما هي نتيجة تراكمات كثيرة ومواقف أكثر، لننظر إلى حالة بطل موضوعنا اليوم، على الرغم من أنه يهودي لكن لم تأخذه أهواء العنصرية لمذهبه أو دينه بل وقف مع الحق، والجميع يعلم حساسية أن يقف أمريكي مع القضية الفلسطينية وكيف إن كان أمريكي – يهودي، هذا أمر تحتاجه الأمة العربية التي باعت عشرات المواقف للأسف ليس لشيء إلا المال، هذا المفكر لم يخشَ حكومة بلاده وهو الذي عاصر عشرات الرؤساء الأمريكيين فلقد ثبت على مواقفه التي لا يمكن إبرازها في موقف واحد، هذا يدفعني للقول إن القضية الفلسطينية اليوم ليس كأي قضية على الرغم من الألم الذي يعتصر أركانها لكن هناك أمل أن تعود هذه الأمة إلى رشدها من خلال توحيد الصف تجاهها، فلا يمكن أن نفصل فلسطين على كل أوجاع الدول الأخرى وبالعكس، لذلك علينا بمراجعة فكرية حقيقية لأنفسنا وتوجيه بوصلتنا التي انحرفت كثيراً في الآونة الأخيرة وإلا سنبقى دولاً بلا دولة ودولاً بلا سيادة، ودولاً بلا كرامة، ولا أحد يريد ذلك.

أخيراً، إن اختياري لشخصية اليوم وما قبلها من الشخصيات، ليس ترفاً وليس زهوّاً بل أمنية خاصة وهي أن يعي أهلي وشعبي العربي والإسلامي خطورة ما يحدث ويحاولوا أن يقاوموا بكل ما لديهم، لنصحح مفاهيمنا ونرتقي فكرياً، لننهض، الأدوات موجودة فقط فعّلها وستصل إلى مبتغاك، فما دمنا على حق، إن الله تبارك وتعالى معنا وفي صفنا، وما خاب من استجار بالله تعالى.

*كاتب ومفكر – الكويت.