مقالات بأقلامكم

شعلة الإسلام.. الطبري شيخ وإمام المفسرين بحث من ثلاثة أجزاء – بقلم عبد العزيز بدر القطان

عبد العزيز بدر القطان*

إن شخصية اليوم هي شخصية تركت إرثاً كبيراً، وكانت من أبرز المفسرين والمؤرخين في التاريخ الإسلامي، شخصية جمعت بين علوم التفسير والفقه والتأريخ، وعدم الميل إلى التقليد، شخصية حفظت القرآن الكريم في سنٍّ صغيرة، واتجهت إلى مدارس العلماء والفقهاء لتأخذ منهم وتكون أسلوبها الفريد والمميز، هذه الشخصية هي شخصية إمام وشيخ المفسرين “أبو جعفر الطبري”.

ولفهم طبيعة التفسير في عهد الصحابة والتابعين، نعرف أن عملية فهم القرآن الكريم لا يكفي فيها النظر إلى جملة قرآنية أو مقطع قرآني بل كثيراً ما يحتاج فهم هذا المقطع أو تلك الجملة إلى مقارنة بغيره مما جاء في الكتاب الكريم أو إلى تحديد الظروف والملابسات، وهذه الدراسة المقارنة لها قريحتها، وشروطها الفكرية الخاصة، وراء الفهم اللغوي، وهكذا نعرف أن طبيعة الأشياء تدل على أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن فهماً إجمالياً، وأنهم لم يكونوا على وجه العموم يفهمونه بصورة تلقائية فهماً تفصيلياً يستوعب مفرداته، وتراكيبه، وهذا الذي تدل عليه طبيعة الأشياء هذه، أكدته أحاديث، ووقائع كثيرة.

وبالتالي، إن المسلمين في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الفهم التفصيلي للقرآن ميسراً لهم على وجه العموم بل كانوا في كثير من الأحيان بحاجة إلى السؤال والبحث والاستيضاح لفهم النص القرآني، هذا الأمر مهد بشكل كبير لظهور حقبة التفسير ببابها الواسع وعنوانها العريض لإزالة كل غموض وإجلاء كل الحقائق والأحكام.

وكان الـتفسير في عهد نشوئه إنما يتلقى شفهياً ويحفظ في الصدور, ثم يتناقل نقل الحديث يداً بيد هـكـذا كـان الـتـفـسير على عهد الرسالة, وفي عهد الصحابة والتابعين الأول أما في عهد تابعي الـتابعين, فجعل يضبط ويثبت في الدفاتر والألواح, وبذلك بدأ عهد تدوين التفسير إلى جنب كتابة الحديث, وذلك في أواسط القرن الثاني الهجري, وبالتالي لم يتوقف التفسير عند مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، إذ أن تفسير القرآن الكريم مر بمراحل بارزة، حيث كان تفسير القرآن في بداية الأمر مقصوراً على التناقل عن طريق الرواية فحسب، إذ كان الصحابة يروون عن الرسول الكريم تفسيره لبعض الآيات والسور القرآنية، وكان التابعون كذلك يروون عن الصحابة ما كان عندهم من تفسير منقول عن النبي محمد، أو ما اجتهدوا في تفسيره، وواضح من هذا أن التفسير في هذه المرحلة كان يقوم على المشافهة والرواية فحسب. ثم مع بدء مرحلة التدوين عموماً  والتي يؤرَّخ لها عادة مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الثاني والبدء بتدوين الحديث خصوصاً، بدأ التفسير يدوَّن ضمن كتب الحديث خاصة، إذ كان يُفرد له باب مستقل ضمن الأبواب التي تشتمل عليها المدونات الحديثة. ومع انتشار التدوين، واستقلال كثير من العلوم، أخذ تدوين التفسير يستقل شيئاً فشيئاً، فبرزت بعض التفاسير المدونة التي فسرت القرآن الكريم تفسيراً كاملاً، وبالسند فيما كان مسنداً. وليس من السهل في هذا السياق معرفة أول من دوَّن تفسير القرآن كاملاً مرتباً.

وبعد مرحلة التدوين بالإسناد، جاءت مرحلة التدوين لكن مع اختصار الأسانيد، إذ اقتصر التدوين في التفسير على نقل الأقوال التفسيرية دون إسنادها إلى قائليها، الأمر الذي ترتب عليه ظهور الوضع، والنقل عن الروايات الإسرائيلية، وبعد تدوين كثير من العلوم وانتشارها؛ كعلم الكلام، وعلوم العربية، وعلم الفلسفة، بدأ التفسير يأخذ شكلاً مختلفاً إذ دخل في مرحلة التفسير العقلي، التي بدأت بترجيح بعض الأقوال على بعض، اعتماداً على اللغة العربية، والسياقات القرآنية.

تميّز الإمام الطبري بأنه جمع في تفسيره بين المنحى الأثري من خلال جمع الروايات، وهي مهمة شاقة في ذاك الزمان، وبين المنحى النقدي الذي يقوم على المناقشة والموازنة والترجيح، الإمام الطبري من القمم الشامخة في الإسلام، وتاريخ العلوم الإسلامية، وهو محمد ين جرير بن يزيد بن كثير بن غالب يكنّى بأبي جعفر، ويلقب بالطبري نسبةً إلى طبرستان التي ولد فيها عام 224 هـ أو 225 هـ كما هو مدون، حفظ القرآن وهو طفل، في عمر السبع سنوات، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنوات، لفد كان حافظاً للقرآن، عارفاً بالقراءات، ملمّاً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، والكثير غير ذلك.

اللافت في شيخ المفسرين، أنه من أكثر الناس تأليفاً، حتى قيل إن تلامذته، قسمت أوراق مؤلفاته على عدد سنين حياته، أي 86 عاماً، من هذه المؤلفات العظيمة، تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تاريخ الرسل والملوك، الكتاب التاريخي العظيم، وتهذيب الآثار الذي يُعتبر من عجائب كتبه الذي تكلم فيه عن علل الحديث ولكن مع الأسف توفي قبل أن يتمه، وأيضاً كتاب القراءات، واختلاف العلماء، وأحكام شرائع الإسلام، وكتاب الخفيف في الفقه، والتبصير في أصول الدين، وكتاب البسيط، وبالطبع أشهر كتبه، تفسير الطبري، وتاريخ الطبري.

الإمام الطبري كان نابغة عصره، والإرث الذي تركه خير دليل على ذلك، فلقد كان يتمتع بثقافة واسعة، هو إمام في القراءات وإمام في الحديث، واللغة، ولقد جاء تفسيره للقرآن الكريم معبراً عن هذه الثقافة والمخزون العلمي الكبير الذي تمتع به، فهو ينقل بأسانيده المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته والتابعين من أئمة التفسير موضحاً الاختلافات ومبيناً جوانب الإعراب، ومحققاً لكل شيء ومرجحاً للأقوى من بينها، هذا الأمر يدلل على أن للإمام الطبري اجتهادات خاصة خرج فيها عن الإطار المأثور فكان فكره مستقلاً ورأيه عميقاً، لقد أصّل شيخ المفسرين علم التفسير تأصيلاً راسخاً موضوعياً يعتمد اللغة والأثر والنظر، وبالتالي جمع الإمام بين خطين وهما خط التفسير بالمأثور القائم على النقل والرواية، وخط التفسير البياني القائم على اللغة والبيان، ما يعني أن إمام المفسرين وظف اللغة والأثر والنظر ليكون خير من مثّل هذا النهج، والذي من الممكن تسميته بالتفسير المقارن، لأنه يوجه أقواله ويحللها ويرجح القوي منها، وصاغ أسس تفسيره بشكل موضوعي مورداً العلل والأدلة، وتوجيهات كل مذهب، وكل قول لهم.

كل هذا العلم كان بفضل علاقة شيخ المفسرين باللغة، الطبري قال إن القرآن الكريم نزل بلسان العرب، ودليله، كما جاء في كتاب الله العزيز: (إنا انزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون)، وأيضاً قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربيٍّ مبين)، فلقد كان الطبري ينتقي من أفصح كلام العرب وأشعارهم ما يعنيه على توجيه تفسيره، لأنه يرى أن النص القرآني بما يتسم به من الإعجاز البياني يستلزم ان يستشهد على تحديد معناه وأسراره بما يناسب من بليغ القول وفصيح الكلام، وبالتالي إن البحوث اللغوية بالنسبة للإمام هي وسيلة لترجيح معنى على آخر بتوجيه لغوي قوي أو للتوفيق بين المقتضى والمأثور بما يزيل أي تعارض، وبرأي الطبري أن كل لفظ من القرآن الكريم له معناه ووظيفته، ولا يجوز إهمال شيء منه، يقول الإمام الطبري: (كتاب الله أبين البيان، وأوضح الكلام، ومحال ان يوجد شيء منه غير مفهوم المعنى).

وبالتالي، ومن خلال ما تقدم، كان الإمام الطبري يعطي أهمية كبرى للغة العربية في تفسير القرآن وفهم معانيه، وهي جزء لا يتجزأ من التفسير لكنها لا تنهض وحدها به، لأن المسألة ليس نحو وصرف بل هي تشريع وأحكام شرعية، تمثل إرادة المشرع من التشريع، من خلال ضبط قواعد النص من منطلق اللغة وأيضاً من منطلق التشريع نفسه، كما مفردتي الصلاح والفساد، لغوياً هما واضحتا المعنى، وتشريعياً العمل بما هو صالح والابتعاد عما هو مسبب للضرر، ما يعني أن التفسير من خلال اللغة أولاً يمهد لما سيلي وبالتالي هذا التمهيد هو تمهيد ضروري وبداية أساسية وعملية منهجية لكل قاعدة تفسيرية تفتح المجال للمعاني الأخرى من التفسير، من هنا، استطاع الإمام الطبري أن يوظف جملة من علومه في الفقه واللغة والدين والعقائد، في أن يخرج بتفسيره الذي صار مرجعاً إلى اليوم، كذلك تأليفاً لكتابه تاريخ الطبري، ففي في كتابه تفسير الطبري، فهو صاحب جهد غير مسبوق، حيث يعد أول من نظم مختلف مراحل التفسير في ضوء ما توفر له من مادة تفسيرية غزيرة في عصره، وقد أسس بهذا لمنهج سار عليه من بعده، ويجمع تفسيره بين المعنى والتأويل واللغة وأشهر الأقوال حول مدلول الآيات والإعراب، بحيث أنه مزيج بين التأريخ والنقل والاقتباس واللغة والأسانيد والترجيح، وقد أوضح الطبري أن القصد من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات، واستقصاء هذه الوجوه فقال: “إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها”.

يعتبر الإمام الطبري من أكثر علماء الإسلام تأليفاً وتصنيفاً، وقال عنه أحمد بن خلكان صاحب وفيات الأعيان: “العلم المجتهد عالم العصر صاحب التصانيف البديعة كان ثقة صادقاً حافظاً رأساً في التفسير إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس عارفاً بالقراءات وباللغة وغير ذلك”، وأما ياقوت الحموي فيقول: “وجدنا في ميراثه من كتبه أكثر من ثمانين جزءاً بخطه الدقيق”، وأكثر الطبري من الترحال في طلب العلم، ولقي نبلاء الرجال، وقرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد،  ثم ارتحل منها إلى المدينة المنورة، ثم إلى مصر، والري، وخراسان، ثم استقر أخيراً ببغداد، وكان أول المجددين في تفسير القرآن الكريم مع بداية القرن الثاني الهجري،  فحاز بذلك لقبين استحقهما، هما شيخ المفسرين لجلالة قدره في علم التفسير، وإمام المفسرين لسبقه في تقديم منهجه الجديد في تفسير كتاب الله، وكان لهذا التفسير أولوية زمانية، كان له كذلك أولوية موضوعية، فهو لم يقتصر على لون واحد من التفسير، بل اشتمل على ألوان منه، رفعت من شأنه،  وجعلت له تلك المنزلة عند العلماء؛ فالطبري رغم اعتماده على التفسير بالمأثور أساساً، جمع إلى جانب الرواية جانب الدراية، واهتم بالقراءات القرآنية أي اهتمام، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة، فضلاً عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها كتابه الشهير.

كان أسلوبه يتسم بمقدمة علمية حشد فيها جملة من مسائل علوم القرآن، منها: اللغة التي نزل بها والأحرف السبعة،  والمعرب، وطرق التفسير، وعنون لها بقوله: (القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن)، وتأويل القرآن بالرأي، وذكر من ترضى روايتهم ومن لا ترضى في التفسير. ثم ذكر القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآياته، ثم القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب، ثم القول في الاستعاذة، ثم القول في البسملة، ثم ابتدأ التفسير بسورة الفاتحة،  حتى ختم تفسيره بسورة الناس.

أخيراً، لقد عاش الإمام الطبري في منتصف القرن الثالث الهجري، إلى أوائل القرن الرابع الهجري، ويعتبر القرن الثالث هو العصر الذهبي لتدوين العلوم الإسلامية، والسنة النبوية، وعلم التفسير وعلم الجرح والتعديل، وظهرت المؤلفات والمصنفات بطريقة مبتكرة لم تكن معروفة سابقاً على طريقة الأبواب الفقهية والجوامع والأسانيد والصحاح والفوائد، وكان الإمام الطبري علامة وفقيهاً تهافتت عليه التلامذة للأخذ من علومه لما كان يتمتع به من ذكاء وعلم، وكان ولعه بالفقه أن جعله يأخذ من فقه مصر والعراق وغيرهم وأوجد لنفسه مذهباً فقهياً خاصاً به، فلقد كان حافظاً وهرماً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأحوال الناس.

شعلة الإسلام.. الطبري شيخ وإمام المفسرين

عبد العزيز بدر القطان*

إن شخصية اليوم هي شخصية تركت إرثاً كبيراً، وكانت من أبرز المفسرين والمؤرخين في التاريخ الإسلامي، شخصية جمعت بين علوم التفسير والفقه والتأريخ، وعدم الميل إلى التقليد، شخصية حفظت القرآن الكريم في سنٍّ صغيرة، واتجهت إلى مدارس العلماء والفقهاء لتأخذ منهم وتكون أسلوبها الفريد والمميز، هذه الشخصية هي شخصية إمام وشيخ المفسرين “أبو جعفر الطبري”.

ولفهم طبيعة التفسير في عهد الصحابة والتابعين، نعرف أن عملية فهم القرآن الكريم لا يكفي فيها النظر إلى جملة قرآنية أو مقطع قرآني بل كثيراً ما يحتاج فهم هذا المقطع أو تلك الجملة إلى مقارنة بغيره مما جاء في الكتاب الكريم أو إلى تحديد الظروف والملابسات، وهذه الدراسة المقارنة لها قريحتها، وشروطها الفكرية الخاصة، وراء الفهم اللغوي، وهكذا نعرف أن طبيعة الأشياء تدل على أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن فهماً إجمالياً، وأنهم لم يكونوا على وجه العموم يفهمونه بصورة تلقائية فهماً تفصيلياً يستوعب مفرداته، وتراكيبه، وهذا الذي تدل عليه طبيعة الأشياء هذه، أكدته أحاديث، ووقائع كثيرة.

وبالتالي، إن المسلمين في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الفهم التفصيلي للقرآن ميسراً لهم على وجه العموم بل كانوا في كثير من الأحيان بحاجة إلى السؤال والبحث والاستيضاح لفهم النص القرآني، هذا الأمر مهد بشكل كبير لظهور حقبة التفسير ببابها الواسع وعنوانها العريض لإزالة كل غموض وإجلاء كل الحقائق والأحكام.

وكان الـتفسير في عهد نشوئه إنما يتلقى شفهياً ويحفظ في الصدور, ثم يتناقل نقل الحديث يداً بيد هـكـذا كـان الـتـفـسير على عهد الرسالة, وفي عهد الصحابة والتابعين الأول أما في عهد تابعي الـتابعين, فجعل يضبط ويثبت في الدفاتر والألواح, وبذلك بدأ عهد تدوين التفسير إلى جنب كتابة الحديث, وذلك في أواسط القرن الثاني الهجري, وبالتالي لم يتوقف التفسير عند مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، إذ أن تفسير القرآن الكريم مر بمراحل بارزة، حيث كان تفسير القرآن في بداية الأمر مقصوراً على التناقل عن طريق الرواية فحسب، إذ كان الصحابة يروون عن الرسول الكريم تفسيره لبعض الآيات والسور القرآنية، وكان التابعون كذلك يروون عن الصحابة ما كان عندهم من تفسير منقول عن النبي محمد، أو ما اجتهدوا في تفسيره، وواضح من هذا أن التفسير في هذه المرحلة كان يقوم على المشافهة والرواية فحسب. ثم مع بدء مرحلة التدوين عموماً  والتي يؤرَّخ لها عادة مع بداية النصف الثاني من القرن الهجري الثاني والبدء بتدوين الحديث خصوصاً، بدأ التفسير يدوَّن ضمن كتب الحديث خاصة، إذ كان يُفرد له باب مستقل ضمن الأبواب التي تشتمل عليها المدونات الحديثة. ومع انتشار التدوين، واستقلال كثير من العلوم، أخذ تدوين التفسير يستقل شيئاً فشيئاً، فبرزت بعض التفاسير المدونة التي فسرت القرآن الكريم تفسيراً كاملاً، وبالسند فيما كان مسنداً. وليس من السهل في هذا السياق معرفة أول من دوَّن تفسير القرآن كاملاً مرتباً.

وبعد مرحلة التدوين بالإسناد، جاءت مرحلة التدوين لكن مع اختصار الأسانيد، إذ اقتصر التدوين في التفسير على نقل الأقوال التفسيرية دون إسنادها إلى قائليها، الأمر الذي ترتب عليه ظهور الوضع، والنقل عن الروايات الإسرائيلية، وبعد تدوين كثير من العلوم وانتشارها؛ كعلم الكلام، وعلوم العربية، وعلم الفلسفة، بدأ التفسير يأخذ شكلاً مختلفاً إذ دخل في مرحلة التفسير العقلي، التي بدأت بترجيح بعض الأقوال على بعض، اعتماداً على اللغة العربية، والسياقات القرآنية.

تميّز الإمام الطبري بأنه جمع في تفسيره بين المنحى الأثري من خلال جمع الروايات، وهي مهمة شاقة في ذاك الزمان، وبين المنحى النقدي الذي يقوم على المناقشة والموازنة والترجيح، الإمام الطبري من القمم الشامخة في الإسلام، وتاريخ العلوم الإسلامية، وهو محمد ين جرير بن يزيد بن كثير بن غالب يكنّى بأبي جعفر، ويلقب بالطبري نسبةً إلى طبرستان التي ولد فيها عام 224 هـ أو 225 هـ كما هو مدون، حفظ القرآن وهو طفل، في عمر السبع سنوات، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنوات، لفد كان حافظاً للقرآن، عارفاً بالقراءات، ملمّاً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، والكثير غير ذلك.

اللافت في شيخ المفسرين، أنه من أكثر الناس تأليفاً، حتى قيل إن تلامذته، قسمت أوراق مؤلفاته على عدد سنين حياته، أي 86 عاماً، من هذه المؤلفات العظيمة، تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تاريخ الرسل والملوك، الكتاب التاريخي العظيم، وتهذيب الآثار الذي يُعتبر من عجائب كتبه الذي تكلم فيه عن علل الحديث ولكن مع الأسف توفي قبل أن يتمه، وأيضاً كتاب القراءات، واختلاف العلماء، وأحكام شرائع الإسلام، وكتاب الخفيف في الفقه، والتبصير في أصول الدين، وكتاب البسيط، وبالطبع أشهر كتبه، تفسير الطبري، وتاريخ الطبري.

الإمام الطبري كان نابغة عصره، والإرث الذي تركه خير دليل على ذلك، فلقد كان يتمتع بثقافة واسعة، هو إمام في القراءات وإمام في الحديث، واللغة، ولقد جاء تفسيره للقرآن الكريم معبراً عن هذه الثقافة والمخزون العلمي الكبير الذي تمتع به، فهو ينقل بأسانيده المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته والتابعين من أئمة التفسير موضحاً الاختلافات ومبيناً جوانب الإعراب، ومحققاً لكل شيء ومرجحاً للأقوى من بينها، هذا الأمر يدلل على أن للإمام الطبري اجتهادات خاصة خرج فيها عن الإطار المأثور فكان فكره مستقلاً ورأيه عميقاً، لقد أصّل شيخ المفسرين علم التفسير تأصيلاً راسخاً موضوعياً يعتمد اللغة والأثر والنظر، وبالتالي جمع الإمام بين خطين وهما خط التفسير بالمأثور القائم على النقل والرواية، وخط التفسير البياني القائم على اللغة والبيان، ما يعني أن إمام المفسرين وظف اللغة والأثر والنظر ليكون خير من مثّل هذا النهج، والذي من الممكن تسميته بالتفسير المقارن، لأنه يوجه أقواله ويحللها ويرجح القوي منها، وصاغ أسس تفسيره بشكل موضوعي مورداً العلل والأدلة، وتوجيهات كل مذهب، وكل قول لهم.

كل هذا العلم كان بفضل علاقة شيخ المفسرين باللغة، الطبري قال إن القرآن الكريم نزل بلسان العرب، ودليله، كما جاء في كتاب الله العزيز: (إنا انزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون)، وأيضاً قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربيٍّ مبين)، فلقد كان الطبري ينتقي من أفصح كلام العرب وأشعارهم ما يعنيه على توجيه تفسيره، لأنه يرى أن النص القرآني بما يتسم به من الإعجاز البياني يستلزم ان يستشهد على تحديد معناه وأسراره بما يناسب من بليغ القول وفصيح الكلام، وبالتالي إن البحوث اللغوية بالنسبة للإمام هي وسيلة لترجيح معنى على آخر بتوجيه لغوي قوي أو للتوفيق بين المقتضى والمأثور بما يزيل أي تعارض، وبرأي الطبري أن كل لفظ من القرآن الكريم له معناه ووظيفته، ولا يجوز إهمال شيء منه، يقول الإمام الطبري: (كتاب الله أبين البيان، وأوضح الكلام، ومحال ان يوجد شيء منه غير مفهوم المعنى).

وبالتالي، ومن خلال ما تقدم، كان الإمام الطبري يعطي أهمية كبرى للغة العربية في تفسير القرآن وفهم معانيه، وهي جزء لا يتجزأ من التفسير لكنها لا تنهض وحدها به، لأن المسألة ليس نحو وصرف بل هي تشريع وأحكام شرعية، تمثل إرادة المشرع من التشريع، من خلال ضبط قواعد النص من منطلق اللغة وأيضاً من منطلق التشريع نفسه، كما مفردتي الصلاح والفساد، لغوياً هما واضحتا المعنى، وتشريعياً العمل بما هو صالح والابتعاد عما هو مسبب للضرر، ما يعني أن التفسير من خلال اللغة أولاً يمهد لما سيلي وبالتالي هذا التمهيد هو تمهيد ضروري وبداية أساسية وعملية منهجية لكل قاعدة تفسيرية تفتح المجال للمعاني الأخرى من التفسير، من هنا، استطاع الإمام الطبري أن يوظف جملة من علومه في الفقه واللغة والدين والعقائد، في أن يخرج بتفسيره الذي صار مرجعاً إلى اليوم، كذلك تأليفاً لكتابه تاريخ الطبري، ففي في كتابه تفسير الطبري، فهو صاحب جهد غير مسبوق، حيث يعد أول من نظم مختلف مراحل التفسير في ضوء ما توفر له من مادة تفسيرية غزيرة في عصره، وقد أسس بهذا لمنهج سار عليه من بعده، ويجمع تفسيره بين المعنى والتأويل واللغة وأشهر الأقوال حول مدلول الآيات والإعراب، بحيث أنه مزيج بين التأريخ والنقل والاقتباس واللغة والأسانيد والترجيح، وقد أوضح الطبري أن القصد من تفسير القرآن الكريم هو تبيين الوجوه المحتملة للآيات، واستقصاء هذه الوجوه فقال: “إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها”.

يعتبر الإمام الطبري من أكثر علماء الإسلام تأليفاً وتصنيفاً، وقال عنه أحمد بن خلكان صاحب وفيات الأعيان: “العلم المجتهد عالم العصر صاحب التصانيف البديعة كان ثقة صادقاً حافظاً رأساً في التفسير إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس عارفاً بالقراءات وباللغة وغير ذلك”، وأما ياقوت الحموي فيقول: “وجدنا في ميراثه من كتبه أكثر من ثمانين جزءاً بخطه الدقيق”، وأكثر الطبري من الترحال في طلب العلم، ولقي نبلاء الرجال، وقرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد،  ثم ارتحل منها إلى المدينة المنورة، ثم إلى مصر، والري، وخراسان، ثم استقر أخيراً ببغداد، وكان أول المجددين في تفسير القرآن الكريم مع بداية القرن الثاني الهجري،  فحاز بذلك لقبين استحقهما، هما شيخ المفسرين لجلالة قدره في علم التفسير، وإمام المفسرين لسبقه في تقديم منهجه الجديد في تفسير كتاب الله، وكان لهذا التفسير أولوية زمانية، كان له كذلك أولوية موضوعية، فهو لم يقتصر على لون واحد من التفسير، بل اشتمل على ألوان منه، رفعت من شأنه،  وجعلت له تلك المنزلة عند العلماء؛ فالطبري رغم اعتماده على التفسير بالمأثور أساساً، جمع إلى جانب الرواية جانب الدراية، واهتم بالقراءات القرآنية أي اهتمام، وكان له اعتناء بعرض وجوه اللغة، فضلاً عن آرائه الفقهية واجتهاداته التي أودعها كتابه الشهير.

كان أسلوبه يتسم بمقدمة علمية حشد فيها جملة من مسائل علوم القرآن، منها: اللغة التي نزل بها والأحرف السبعة،  والمعرب، وطرق التفسير، وعنون لها بقوله: (القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن)، وتأويل القرآن بالرأي، وذكر من ترضى روايتهم ومن لا ترضى في التفسير. ثم ذكر القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآياته، ثم القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب، ثم القول في الاستعاذة، ثم القول في البسملة، ثم ابتدأ التفسير بسورة الفاتحة،  حتى ختم تفسيره بسورة الناس.

أخيراً، لقد عاش الإمام الطبري في منتصف القرن الثالث الهجري، إلى أوائل القرن الرابع الهجري، ويعتبر القرن الثالث هو العصر الذهبي لتدوين العلوم الإسلامية، والسنة النبوية، وعلم التفسير وعلم الجرح والتعديل، وظهرت المؤلفات والمصنفات بطريقة مبتكرة لم تكن معروفة سابقاً على طريقة الأبواب الفقهية والجوامع والأسانيد والصحاح والفوائد، وكان الإمام الطبري علامة وفقيهاً تهافتت عليه التلامذة للأخذ من علومه لما كان يتمتع به من ذكاء وعلم، وكان ولعه بالفقه أن جعله يأخذ من فقه مصر والعراق وغيرهم وأوجد لنفسه مذهباً فقهياً خاصاً به، فلقد كان حافظاً وهرماً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأحوال الناس.

شيخ المفسرين.. موسوعة إسلامية لا تموت

عبد العزيز بدر القطان*

تحدثنا في المقال السابق عن عصر التدوين ونشوء التفسير في وبداية غوص الإمام الطبري في هذا الحقل وإثراء المكتبة الإسلامية فيه، لكن في هذا الجزء سنتطرق إلى العصر الذي نشأ فيه شيخ المفسرين، والظروف السياسية التي عاشها، وكيف أثر وتأثر فيها، في استكمال لهذه السلسلة التي لا يمكن لها أن تنضب على كثرتها وأهميتها.

عاش الإمام الطبري في اواخر العصر العباسي الأول، إبان خلافة المعتصم حتى خلافة المقتدر في العصر العباسي الثاني، وبالتالي عاش الإمام في تلك الحقبة بما لها وما عليها من صراعات ورغد ووقف وقفة حق مناصراً لكتاب بالله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ووقف بصلابة ضد الابتزال فسخر قلمه وعلمه في سبيل هذه الغاية، أي الدفاع عن الإسلام وتاريخ المسلمين، خاصة وأن الفترة التي عاش فيها كانت مقسمة على ثلاث طبقات، المترفة والوسطى والدنيا، هذه الطبقات أفرزت بطبيعة الحال بعضاً من حالات المجون وشرب الخمر وكثرة الفساد والرذيلة والأخطر خروج الخرافات وكان العلماء الذين عاصرهم الطبري أن شنوا حرباً على الزنادقة والشعبوية وأرباب الكلام وأهل الأهواء وموجات المجون وكشفوا زيفهم للمسلمين، وخطورة أفكارهم على العقيدة والدين.

كان الإمام الطبري في مقدمة هؤلاء العلماء المخلصين لدينهم، حيث سخر قلمه للدفاع عن العقيدة الإسلامية لصد التحريف والتأويل والتشبيه ضد الشبهات التي خرجت في ذاك العصر، رغم ذلك ازدهرت الحركة الفكرية في العصر العباسي الأول ازدهاراً كبيراً وتلاقت في الحواضر الإسلامية شتى الثقافات التي تمثل حضارات الأمم العريقة في العلم والأدب والثقافة، وكانت الدولة الإسلامية مزيجاً من شعوب كثيرة جمعها الإسلام، مثل الثقافة الفارسية واليونانية وكثرت كتب التراجم عنهم، وكنا قد أشرنا في مقالات سابقة عن دار الحكمة في عهد المأمون وإيلائه للعلم الاهتمام الكبير وكذلك هارون الرشيد وبالطبع كان الفضل الأول للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وبالتالي كانت ثقافة الإسلام هي الغالبة في الدين والأدب والشعر وسائر العلوم مرجع الناس جميعاً. وفي العصر العباسي الثاني وعلى الرغم من الاضطرابات السياسية لقد زاد الاهتمام العلمي خاصة آثار الترجمة.

وبالتالي وجدت في عهد الإمام الطبري عوامل كثيرة ساعدت على دفع الحركة العلمية دفعة قوية إلى الأمام، حيث تفرغ العلماء لعلومهم بعد أن هدأت مرحلة الفتوحات الإسلامية، وأثريت شتى المكتبات الإسلامية بشتى المصنفات، وكان لإمام المفسرين الدور البارز في هذا المجال، وبالتالي كان من الطبيعي أن تحظى علوم التفسير بالاهتمام الكبير نظراً لطبيعة تلك المرحلة، سواء التفسير بالمأثور أو التفسير بالرأي، لقد استطاع شيخ المفسرين أن يجمع في تفسيره عن طريق الروايات المسندة أكثر الآثار التي رويت عن الصحابة والتابعين، كذلك الأمر في علوم الحديث إذ بدأ تصنيفه على أبواب الفقه كما في كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، على سبيل المثال، كذلك الأمر في الفقه والتاريخ واللغة التي أفردنا لها مساحة واسعة في مقالنا السابق.

من هنا، كان الإمام الطبري كما أشرنا أحد العلماء المخلصين لدينهم، متخلقاً بأخلاق الإسلام، كما وصفه الكثير من تلامذته، لقد كان إمام المفسرين متواضعاً على الرغم من غزارة العلم الذي لديه، والتي اكتسبها من ترحاله ليصبح إمام عصره بلا منازع ويحتل مركز الصدارة بين الأئمة والعلماء، حيث التقى الكثير من شيوخ وأئمة الحديث الثقات وسمع عنهم وأكثر الكتابة عنهم، حيث أخذ الحديث عن الكثير من شيوخ الإمام البخاري ومسلم، لقد كان الإمام الطبري منهلاً عذباً أثرى العلوم الدينية والأدبية والتاريخية، ومن الطبيعي أن يكون له عدد كبير من التلاميذ الذين نهلوا عنه العلم وعددهم اكبر من إحصائه في مقال واحد.

لقد عاش الإمام الطبري كما أشرنا في عصر زاخر بالثقافات والعلوم والمعارف المتنوع، ولعل كتابه “جامع البيان في تأويل آي القرآن” عمدة ما وصل إلينا من مؤلفاته الغنية لأنه يشمل على الكثير من العلوم المختلفة من الحديث والسير والفقه وأصوله واللغة والنحو والشعر والتاريخ، وقال عنه ابن عساكر: (فتم من كتبه كتاب تفسير القرآن، وجوّده وبين أحكامه وناسخه ومنسوخه ومشكله وغريبه واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله، والصحيح لديه من ذلك، وإعراب حروفه، والكلام على الملحدين فيه، والقصص وأخبار الأمم والقيامة، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة… إلخ)، حيث جمع الإمام الطبري حصيلته العلمية من خلال السماع والتلقي من شيوخه الذي تتلمذ على يدهم خلال رحلته الطويلة في طبرستان والعراق والشام ومصر والحجاز، وبناءً على ذلك، كان الإمام في التفسير والقراءات والتاريخ مصدراً واسعاً وغنياً لكل من أتى بعده، حيث أتى أسلوبه واضحاً في منهجهم مثل القرطبي وابن كثير وغيرهما.

لقد كان في عصر الإمام الطبري كل الظروف التي ساهمت في تحصيله الغزير، يقول الإمام الطبري عن نفسه: (لما دخلت مصر، لم يبق أحد من أهل العلم، فجاءني يوماً رجلاً فسألني عن شيء في العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له على قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض، إلى الغد، وطلبت من صديق لي العروض، الخليل بن أحمد الفراهيدي فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروض، وأصبحت عروضياً)، لكن وبدون أدنى شك أن شيخ المفسرين كان علامة في كل شيء، إلا أن شهرته كانت في تفسير القرآن الذي ينقله بالسند، وإلى جانب نبوغه في تفسير القرآن، اشتهر أيضاً بعلوم الحديث حيث أكثر من الرواية عن كبار الحفاظ والمحدثين كما ذكرنا، وقد شهد له الخطيب البغدادي بقوله: (كان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها).

الطبري لم تتوقف علومه عند حد، أيضاً كان بارعاً في علوم القراءات، التي تلقاها عن شيوخها ببغداد والكوفة والشام ومصر، واعتمد في ذلك على الأسانيد، وعلى قوته في اللغة والنحو والأسلوب البياني العام، وفي الفقه كذلك الأمر أخذه عن كبار أهله، وعني بمعرفة أقوال الفقهاء والمجتهدين وأحكام القضاة والمفتيين، وآراء المفسرين والمحدثين من معاصريه والمتقدمين عليه، ليصبح عالماً بالإجماع ومراتب الاتفاق، ملماً بأدق الآراء في المسائل الفقهية المختلفة، ففقه الظاهرية درسه على يد داوود الظاهري، وفقه الشافعية على يد الحسن بن محمد الزعفراني ببغداد، والربيع بن سليمان بمصر وفقه الإمام مالك بن أنس على يد يونس بن عبد الأعلى، وفقه أهل العراق على يد محمد بن مقاتل الرازي بالري، وفي النهاية اكتسب فقهه الخاص به وأصبح له أتباع في ذلك الشأن.

وفي التاريخ، كان الإمام الطبري أبرع من صنف فيه، فكتابه تاريخ الأمم والملوك، يعتبر أوفى عمل تاريخي بين مصنفات العرب، أقامه على منهج مرسوم وأسلوب استقرائي شامل، بلغت فيه الرواية مبلغها من الثقة والأمانة والاتقان، أكمل ما قام به المؤرخون قبله مثل اليعقوبي والواقدي وابن سعد، وغيرهم، ومهد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم، يقول المؤرخ ابن خلكان: (وتاريخه أصح التواريخ، وأثبتها)، وإلى جانب التاريخ وكما أشرنا في مقال الأمس، كان شيخ المفسرين بارعاً في علوم النحو والصرف والبلاغة والأدب والشعر والعروض، إذ لطالما استشهد في تفاسيره من الشعر الإسلامي والجاهلي الكثير، ويوجد في كتاب تاريخ ابن عساكر شعراً للطبري في ثنائه على أهل الحديث وذم أهل البدع:

عليك بأصحاب الحديث فإنهم *** على منهج للدين لا زال معلما

وما الدين إلا في الحديث وأهله *** إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما

وأعلى البرايا من إلى السنن اقتدى *** وأخزى البرايا من إلى البدع انتما

ومن يترك الآثار ضلل سعيه *** وهل يترك الآثار من كان مسلما

وأما في علوم الفلسفة والمنطق والجدل والحساب والجبر والطب، لقد درسها الإمام إلا أنه لم يتعمق فيها كثيراً فقد كان إماماً في بعض ألوان المعرفة في عصره، ومقدرته في علم الكلام والجدل ظاهرة بوضوح في مناقضاته لمعارضيه على مخالفيه، كذلك نقض الآراء التي لا يقرها، كما في كتابيه (التفسير، وكتاب اختلاف الفقهاء).

أخيراً، إن الإمام الطبري كان ملماً في كل شيء درسه من العلوم، ووصفه عبد العزيز الطبري: (وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، أو كالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عالماً بالعبادات، جامعاً للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره، وجدت لكتبه فضلاً على غيرها)، نحن في حضرة موسوعة كان لها الأثر الكبير في بناء العلوم الإسلامية الجامعة.

*كاتب ومفكر – الكويت.