مقالات بأقلامكم

عائشة بنت الشاطئ.. نموذج المرأة المسلمة – بقلم د.عبد العزيز القطان

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

شديدة الوعي بما تصنع، تركت 63 كتاباً، خذت أحسن ما في منهج أمين الخولي زوجها وأستاذها ومدرسته العقلية في تجديد الدين، وتجنبت أسوأ ما فيه، طاقة بحثية متجددة، فردت قلاعها وأشرعت كل أسلحتها العلمية دفاعاً عن منهج الأثر في تفسير القرآن الكريم، حارسة للتراث ومواجِهة للواقع العاصف، عاشت في بيت مشيخة، وانتقلت إلى بيت مشيخة، كانت رقماً صعباً في زمانها، وتبوأت مقعداً لها في الأزهر الشريف كأول امرأة تدخله من بابه العريض، إنها فقيهة الدراسات القرآنية الدكتورة عائشة عبد الرحمن الملقبة بـ عائشة بنت الشاطئ.

(إلى أن يحين الأجل، سأبقى محكوماً عليّ، بهذه الوقفة الحائرة على المعبر، ضائعة بين حياة وموت، انتظر دوري في اجتياز الشوط الباقي، وأردد في أثر الراحل المقيم، عليك سلام الله إن تكن عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر..”، بهذه الكلمات اختتمت عائشة عبد الرحمن مقدمة سيرتها الذاتية “على الجسر”)، أحبت عائشة النهر كثيراً في طفولتها، فكانت دائمة المكوث واللعب أمامه، كلما ازداد حبها للنهر ازداد خوف والدتها عليها، فقبل ولادة عائشة وحتى قبل زواج أمها غرقت جدتها في هذا النهر أمام عين والدتها التي لم تستطع إنقاذها، لذا لم تكن عائشة تذهب إلى النهر إلا سراً دون علم والدتها.

اجتمعت في شخصية الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) شخصيات عدة في ذات واحدة، وتلاقت في مسيرتها ظاهرات عدة في ظاهرة واحدة، فهي نموذج شاهد يجمع بفكره وشعره وعمله ومسيرته وصحبته أقوى البراهين على أن الأصالة هي مفتاح المعاصرة، ولدت عائشة محمد علي عبد الرحمن منتصف نوفمبر/تشرين الثاني عام 1912 بمدينة دمياط بشمال دلتا مصر، كان والدها مدرساً بالمعهد الديني بدمياط، وكذلك كان جدّها لأبيها وأمها من الشيوخ الأزهريين، حفظت القرآن وجوّدته وهي دون العاشرة من عمرها، ورغبت في الالتحاق بالأزهر الشريف فرفض والدها.. نزولاً على التقاليد المرعية في ذلك العهد من منع خروج المرأة إلى الشارع، والرغبة في عدم تعليم البنات من جيلها الذي أسمته “جيل ضحايا شهيدات”.

تزوجت عائشة من أستاذها في الجامعة المفكر الراحل أمين الخولي وتأثرت كثيراً في بداية حياتها بتوجهه الفكري قبل أن يصبح لها أسلوبها الخاص بعد وفاته عام 1966، أصبحت عائشة أستاذاً في جامعة عين شمس للغة العربية وآدابها، كما درّست في عدة جامعات عربية من بينها جامعة أم درمان والخرطوم والجزائر وبيروت والإمارات وكلية التربية للبنات في الرياض، عملت  لمدة20عاماً في جامعة القرويين بالمغرب كأستاذ للتفسير والدراسات العليا، كما شغلت عضوية الكثير من الهيئات والمجالس مثل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر والمجلس الأعلى للثقافة، وعضوية مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، كانت رحمها الله أديبة ومفكرة وناقدة تركت وراءها فوق الـ60 كتاباً ومئات الأبحاث والدراسات، كما حققت الكثير من النصوص والوثائق والمخطوطات، ومن أبرز وأهم كتبها: التفسير البياني للقرآن وتراجم سيدات بيت النبوة والإعجاز البياني في القرآن ونساء النبي.

بدأت عائشة عبد الرحمن الكتابة والنشر منذ أن كان عمرها 18 عاماً في مجلة النهضة النسائية، ثم في جريدة الأهرام، ونظراً لشدة محافظة أسرتها آنذاك والتي لم تعتد انخراط النساء في الثقافة اختارت التوقيع باسم “بنت الشاطئ”. وعقب ذلك بعامين بدأت الكتابة في جريدة الأهرام فكانت ثاني امرأة تكتب بها بعد الأديبة مي زيادة، وظلت تكتب بجريدة الأهرام حتى وفاتها، فكان لها مقال أسبوعي طويل، فكانت آخر مقالة نُشرت لها بتاريخ 26 نوفمبر 1998 وكانت بعنوان “علي بن أبي طالب كرم الله وجهه”، كانت من أشد النساء دفاعاً عن اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وهذا ما تبين بشكل واضح في كتابها “التفسير البياني للقرآن الكريم”، حيث عملت على تلمس الدلالات اللغوية الأصلية في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية، زاوجت من خلالها بين العقل والنقل في نقلها البياني، كانت تنادي، بكل جوارحها  بأن لغة العرب وقوّتها وعالميتها مرتهنة بقوّة شعوبها في الحفاظ عليها والتمسك بها، وأن وجه الخطورة والتحديات التي تتعرض لها اللغة العربية أكبر من الغزو الفكري والعقائدي والاعتداء على أراضيها ونهب ثرواتها؛ وما على العرب إلا  أن ينتبهوا لتراث أسلافهم وأمتهم، وأن يكونوا دائماً محافظين على لغتهم، وألا ينسلخوا عن قوميتهم وشخصيتهم العربية الإسلامية التي رفعهم  الله إليه.(1)

ترى عائشة بنت الشاطئ أن رحلتها في الحياة هي “أسطورة الزمان”، لا عجب وأن رسالة الدكتوراه التي قدمتها عن أبي العلاء المعري، قد ناقشها لها الأديب الكبير طه حسين، في درس علمي ذائع الصيت في ذلك الحين، نجت بنت الشاطئ رغم مع انبهارها بالشيخ الزوج الخولي من سقطات وشطحات منهجه قبل فوات الأوان، وإن تبنّت رؤيته في التعامل مع النص القرآني تعاملاً بيانياً، إلا أن الخلاف دائماً معها كان في الفروع والهوامش، ولم يكن أبداً في الأصول والمبادئ.. فقد كانت واحدة من القلائل الذين يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، في الوعي بفقه القرآن، وضوابط تحليله وتفسيره وتجلياته وبيانه، وتجلى ذلك في كتابيها “التفسير البياني للقرآن الكريم”، و”الإعجاز البياني للقرآن”.

إن بنت الشاطئ كل لا يتجزأ، وجميع لا يتفرق، بكل ما تحمله من شجون وشؤون، لم تكن نصف شخصية، ولا مخيلة كاتب، ولا رؤية مفكر.. إنما هي التي كانت وستبقى.. واحدة .. متفردة بين سيدات النهضة العلمية والفكرية والأدبية في عالمنا العربي والإسلامي، وإحدى أهم الأسماء الجامعية المرموقة التي تحمل أصالة السلف وتطلعات الخلف، بأمانة ووعي، واستقصاء ومسؤولية، وقد خاضت عائشة معارك العدالة الاجتماعية والوعي السياسي، والأصالة المعاصرة، والرجعية والتقدمية، والاستلاب والتبعية، والأمية والتعليم، والدراسات اللغوية والقرآنية بين الأصيل والدخيل، والمرأة والمجتمع.. وغيرها من القضايا التي مرّ بها مجتمعنا العربي الإسلامي في العصر الحديث. وكانت في كل ذلك مثالًا للمرأة المسلمة العالمة المستبحرة في تراثنا العريق، الواقفة على شواطئ المستقبل بكل جديد ورشيد ومفيد، كما ختمت رحلتها إلى جزيرة العرب (أرض المعجزات) بأشعارها الضارعة اللاهجة لرب البيت أن يبدل حالنا، وأن يحسن مآلنا.. فتقول في إحدى قصائدها:

الملايين على مــــر الزمـن

من حجـاز وعراق ويمن

من ضفاف النيل حتى الأطلسي

من ربا الشام وبيت المقدسـي

كم رأها العيد في يوم مني

نلتقي روحـاً وقلباً ومُنــى

بهتاف العيد يعلو في الفضاء

ربنا لبيـك يا نور السمـاء (2)

عائشة بنت الشاطئ، كانت خير ممثلة لمدرسة منهجية، استصفتها من أمين الخولي، تلك المدرسة التي يقوم قوامها على أن قتل القديم فهماً.. هو أول الجديد، أمضت بنت الشاطئ حياة حافلة عريضة داخل مصر وخارجها، بذلت فيها كل جهدها ودافعت عن قيمها حتى وافتها المنية عن عمر يناهز 86 عاماً عام 1998، لتنهي بذلك رحلة سيدة مصرية قلّ أن يجود الزمان بمثلها.

*كاتب ومفكر – الكويت.

المصادر:

1-انظر: بنت الشاطئ وأدب المرأة المسلمة – أمينة أحمد خشفة – 8-1-2010 على الرابط: https://thakafamag.com/?p=551

2-انظر: 22 عاما على رحيل بنت الشاطئ.. عائشة عبد الرحمن حارسة التراث وفقيهة التجديد – محمود الشرقاوي – 29-11-2020 على الرابط:

https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2020/11/29/22-