مقالات بأقلامكم

كفى بخشية الله تعالى علماً وبالاغترار جهلاً – بقلم الدكتور عبد العزيز القطان

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

إن الاهتمام بمآثر علمائنا في كل الحقول، غاية في زمن السرعة والتكنولوجيا، قل نظيرها، وقلائل جداً من يحيون تراث الأمة العربية والإسلامية في كل الميادين، لنجد تفاوتاً كبيراً بين أجيال الأمس واليوم، وقلة معرفية وثقافية، هي سبب مباشر بانحدار الأمة في أيامنا هذه، قال تبارك وتعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير).

وودت أن أكتب موضوع اليوم ليس تبريراً بقدر ما هو إجلاء للصورة وتوضيحها، منعاً للتصيد في أي ماءٍ عكر، مع يقيني بأنه غير موجود، لكن من باب التوضيح والإسهام في نقل الحقيقة المجردة لكن على طريقتي، فقد يسأل سائل، لماذا هذا الاهتمام بهذا العالم أو ذاك؟ ولماذا أوضح بعض المفاهيم وأنقد بعض الأمور، وأشرح عن بعضها الآخر؟ ليكون القصد من تناول هذه الشخصيات الإسلامية وغير الإسلامية الأكاديمية العريقة، بالمقام الأول للتعريف بها.

وفي المقام الآخر، إن اختياري عندما يقع مثلاً على سيَر المحدثين والمحققين لتراثنا الإسلامي، هو إثبات لبعض أشباه المثقفين والمتطفلين على موائد أهل العلم وعلى تراثنا الإسلامي، بدون علم وتخصص وشهادة من أهل العلم، بأنه لا يزال هناك حُماة لهذا الدين ولهذا التراث الإسلامي الكبير، وعلماء وفكر مدارس الأزهر الشريف والزيتونة وعلماء المملكة العربية السعودية والشام وتركيا وكل مكان إسلامي من المسلمين وعلماء الإسلام، فيهم قامات علمية كبيرة جداً، قال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينّنّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون)، فمثلاً شخصية الأمس المحدث الكبير الأستاذ الدكتور أحمد عبد الكريم معبد أطال الله في عمره، فهو قبس من نور أهل العلم الربانيين، الذين ردوا على كل الشبهات من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا واقع، لأن الشبهات تثار من كثيرين مثل الملاحدة إلى المستشرقين والمشركين والمغالين والجاحدين والمحرومين، سمهم ما شئت.

في الوقت الحاضر أسمي هؤلاء، الحاقدين تاريخياً على تراثنا الإسلامي، خصوصاً تراث مدرسة أهل الحديث والأثر الأصيلة، لأنه وبرأيي المتواضع لا يوجد في كل الديانات الإسلامية أفضل من هذه المدرسة، وهذا علم منّ الله سبحانه وتعالى على أهل الحديث تحديداً، ومن المعروف أننا نأخذ القرآن الكريم بالإسناد، والحديث نرويه بالإسناد، ونحن أمة الإسناد، وكما قال الإمام محمد بن سيرين البصري، “الإسناد من الدين”.

عندما يقرأ كل من يعتقد أن لديه تساؤلات عن هذه الشخصيات سواء الإمام الغزالي، أو الإمام الجويني، أو العالم الصابوني، أو المحدث معبد، أو الإمام الشافعي، وسيد قطب، وعائشة بنت الشاطئ، وأغلب من أحاول تجديد تسليط الضوء عليهم، يأتيك أحدهم وقد قرأ بضعة كتب للمستشرقين أو غلاتهم أو من يروجون لأنفسهم على مواقع التواصل الإجتماعي بين باحث إسلامي وعالم دين، ومفكر ومحلل ومحقق وما إلى هنالك من صفات وألقاب، دون علم ودراسة ودراية، دون تعب وجهد سنوات، وهؤلاء ليسوا كل المشكلة، بل المشكلة الأكبر تلك الطبقة التي تستأثر بمواقع التواصل أيضاً، ولا عمل لديها إلا شتم الإسلام ولصق الإرهاب بالإسلام، وزعزعة الثقة بالإسلام، كل ذلك تمهيداً لمشروع الدين الإبراهيمي الجديد.

من لديه أية تساؤلات أو لديه أية شكوك، لا بأس، الحوار موجود وباب النقاش مفتوح، والإقناع حاضر، اطرح نظريتك ورؤيتك ونطرح ما لدينا، والغلبة للذي يملك أدلته المقنعة بالدليل والبرهان، مع اليقين أن لا دليل بعد القرآن الكريم والأحاديث المتصلة إلى نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اسألوا أهل العلم وبعضهم حيّاً يرزق يعطيك الرأي السديد، مع أنه موجود في سيرهم الكبيرة، من يقرأ سيّرهم فقط يعرف كم بذلوا من جهد من وقتهم وعمرهم وكل حياتهم في سبيل هذا العلم، والتصانيف المحققة التي صنفوها، ومن خلالها يتم الرد على كل التساؤلات التي يثيرها البعض ممن يعتقدون أنهم بلغوا مبلغاً كبيراً من العلم في بضعة سنوات، او من خلال بعض الكتب التي قرأوها، قال تبارك وتعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم).

لكن هيهات، الإسلام عملاق، ولا يتطاول على قامة الإسلام إلا أحمق أو دنيء النفس، خصوصاً وأن الأمة الإسلامية تشهد حملة غير مسبوقة على كل ما هو إسلامي، ولصالح الحركة الصهيونية، وبالذات خلال أزمة “كورونا” زادت هذه الهجمة على الإسلام ومساجد الله، ومحارمه، لغاية واحدة هي هدم ثوابت الدين وحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه الأمة ولّادة، وكل علماء الإسلام الذين مررت على ذكرهم من الأعلام الكبار لم أقل فيهم إلا الجزء اليسير جداً، لأن الحديث حولهم وحول مآثرهم ومناقبهم يحتاج إلى مجلدات، والله إن في هذه الأمة رجال، في بلاد الحرمين الشريفين أو في حلب الشهباء أو في دمشق أو في اسطنبول أو في تونس أو القدس وفي كل مكان، هناك ناس صادقين مع الله تبارك وتعالى، وحموا هذا الدين، كأن الله تبارك وتعالى خلقهم في هذه الدنيا لهذه الغاية أي حماية تراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليدافعوا عن القرآن الكريم.

ولمن يفهم، ويقرأ ما بين السطور، العبرة لمجهود علمائنا ومسيرتهم وعطائهم بصرف النظر عن أسمائهم وجنسياتهم، زوروا المدارس الإسلامية الكبيرة في كل الدول، ستعرفوا من هم علماء أمتي العربية والإسلامية.

*كاتب ومفكر – الكويت.