مقالات

لحظتان تلفزيونيتان مخزيتان: إنه الحضيض!

يبدو أنّ “هوريكين” استقالة الرئيس سعد الحريري كان أقوى من إعصار إيرما وأخواتها من الأعاصير الاستوائية التي اجتاحت المحيط الأطلسي الصيف الماضي. لبنان لا يزال، بعد أربعة أيام من الإعلان – المفاجأة، عاصفاً على الأصعدة كافة. وتماماً مثلما تقتلع الرياح العاتية الأخضر واليابس وتكشف عن خبايا وخفايا، أزالت الاستقالة اللُثُم عن بعض الوجوه وأعادت تسليط الضوء على حقائق ووقائع شاذّة ومُخزية.

لحظتان تلفزيونيتان مُتتاليتان كانتا كفيلتين بتذكيرنا بأننا في الحضيض. إعلامياً ومُجتمعياً وسياسياً وحتى فكرياً، نحن نغرق من دون هوادة. تحلّ الأزمة فتُعدّل المحطات برامجها لمواكبة الحدث. إجراء عاديّ وبديهي ومطلوب شرط الالتزام بـ “رسالة” الإعلام السامية. مهمةٌ صعبة في زمن الفوضى الهادئة، فما بالنا في لحظات الغليان والمفاجآت والصدمات؟!

يستضيف الإعلاميّ وليد عبود المحلل السياسيّ حبيب فياض في حلقة “استثنائية” مواكبة للحدث من برنامج “بموضوعية”. مواقف الرجل (فياض) معروفة، بل إن “مشاكساته” باتت تسبق اسمه. أكثر من مرّة، وفي محطات تلفزيونية ذات توّجهات مُختلفة، انسحب من الحوار بطريقة أثارت جدلاً وامتعاضاً. ومع هذا، يحلّ “المشاكس” ضيفاً على شاشة الـ “ام تي في” التي ترفع شعار الحريّات وتقبل الرأي الآخر دوماً. سرعان ما يتحوّل “الأستوديو” لهيباً فاقمت أجواء التشنّج السياسي الراهنة في تأجيجه، لا سيّما بعد مداخلة هاتفية مع الوزير السعودي ثامر السبهان. المفارقة هذه المرّة أنّ فياض لم يترك “الساحة” مُنسحباً بل ظلّ ماضياً في الردّ العنيف ما دفع بعبود إلى طرده من الحلقة. وبحسب المعلومات المتداولة أنّ فياض كان قد طلب من محاوره اثناء الفاصل الإعلانيّ طرده على الهواء، فكان له ما أراد.

“قديش قابض وليد عبود من السعودية؟”، جملة وردت على لسان الضيف الذي لم يحترم المكان الذي استضافه ولا محاوره ولا المشاهدين ولا الشعب المصلوب أمام الشاشات بانتظار أن يحصل على طمأنة من هنا أو معلومة من هناك. جملةٌ نالت من كرامة عبود وشرفه، وأصابت الجسم الإعلاميّ بأكمله في لبنان.

في مشهدية مُخزية أخرى، يردّ النائب معين المرعبي على سؤال طرحته عليه الإعلاميّة ليندا مشلب في خلال اتصال هاتفيّ عبر محطة الـ NBN، بالقول:”الريتز عازمك عليه الرئيس الك انت، وعازم حدا معك يمكن”. كانت مشلب تسأل عن موضوع متداول بكثرة في الأوساط الإعلامية والشعبية، مفاده أنّ الرئيس الحريري محتجزٌ في فندق الريتز كارلتون في السعودية، لكنها فوجئت بردّ يطال شخصها وكرامتها وشرفها. بدا واضحاً أنّ الإعلاميّة لم تستوعب ما تسمعه، أو لم تشأ ذلك، فأكملت توضح لـ “ضيفها” عبر الهاتف مقصدها، لكنّ “المعين” أمعن في إلإسفاف فأقفل الخطّ بوجهها، مفضلاً أيضاً الانسحاب بطريقة معيبة بحقه وبحق الإعلام والمواطن على حدّ سواء.

ما حصل على الشاشتين، سرعان ما انتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ. المفارقة أنّ حملة التضامن مع مشلب جاءت أشدّ قوّة ووقعاً من تلك التي نالها عبود، ما أجبر مرعبي على نشر تعليق يعتذر فيه من الإعلاميّة ومن عائلتها. قد يبدو الأمر بديهياً بل طبيعياً ذلك أنّ ما تعرّضت له مشلب أدرج في خانة “التحرّش” وتحقير المرأة بشكل عام. إنه العنف الذكوري الذي فتحت الجمعيات عليه النار في الآونة الأخيرة وصولاً إلى تحقيق إنجازات شتّى على الصعيد القضائي والمجتمعي كذلك.

وإذا كان ردّ المرعبي قد انطلق من تعنيف نمطيّ يطال المرأة بشكل عام، فإن ما تفوّه به فياض هو بدوره نمطيّ تجاه كلّ مخالف للرأي، وتحديداً تجاه الرجل. هل كان المرعبي ليقول ما قاله في حال كان سائله رجلاً؟ وهل كان فياض ليتحدث عن “قبض المال” لو كانت محاورته سيّدة أم كان سيصفها ببائعة هوى مثلاً؟!

في كلّ الأحوال، ما حدث هو نيلٌ من الكرامة. كرامة أهل الإعلام في لبنان أولاً، وهم المقاومين في “مهنة المتاعب”. وهو نيلٌ من كرامة لبنان وشعبه، المعنفين من بعض أهل السياسة والسلطة.

وما حدث يعكس عملياً واقعاً مريراً مُخزياً، سواء في العقول أو في الممارسات. نحن في الحضيض نعم، ولا ينشلنا اعتذار من هنا أو كوب مياه فارغة من هناك!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.