مقالات بأقلامكم

مدينة السلام “بغداد”.. فخر الحضارة الإسلامية – بقلم د.عبد العزيز القطان

الدكتور عبد العزيز بدر القطان

تألقت دهوراً، وكانت طاقة متجددة، هي مدينة الزوراء، ومدينة السلام وعاصمة الرشيد، وبغداد، حين كانت ذات يوم عاصمة الدنيا ومركز الدولة العباسية وعاصمة الخلافة الإسلامية، هي عاصمة العباسيين ومنارة الدنيا ودار السلام بغداد التي شيدها الخليفة أبو جعفر المنصور في عام 145 للهجرة.

كانت مدينة السلام طيلة الفترات القديمة تشكل موطناً بشرياً مهماً يعود إلى العصر الأشوري. وما زاد الموقع أهمية هو البُعد الجغرافي والإستراتيجي وتوسطه لمدن حضارية وإنسانية كبرى، تمتد من شمال العراق إلى جنوبه. ثم إن هذا الموقع الجغرافي والتاريخي مكن بغداد من أن تتبوأ موقعاً متوسطاً بين تلك المدن، الأمر الذي شكل بيئة ملائمة لتطور الإنسان وإنجازاته الحضارية والفكرية، بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وسماها “مدينة المنصور” على اسمه، وجعل لها أربعة أبواب هي: باب خراسان، وكان يسمى باب الدولة وباب الشام، ثم باب الكوفة، فباب البصرة. وكان المنصور قد اختار لها هذه البقعة من الأرض على ضفتي نهر دجلة.

ويعود سبب بناء مدينة بغداد في العصر العباسي إلى كون أبي جعفر المنصور بنى مدينة الهاشمية قبالة مدينة “ابن هبيرة” بجانب الكوفة، وبنى المنصور أيضاً مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة. لكن أمر السياسة والتجانس مع أهل المنطقة لم يتماشى مع أبي جعفر، فخرج عن الرصافة باتجاه مكان آخر هي بغداد، فقال عنها: “هذا موضع معسكر صالح هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينيا وما حول ذلك وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وما حول ذلك”. فنزل فيها واستقر بها وجعل من الأراضي التي سيطر عليها بقاع نفوذه ووكل على بقعة قائداً يحكمها، وقد اختار أبو جعفر المنصور موقع بغداد على رقعة مرتفعة من الأرض على الجانب الغربي من نهر دجلة عند مصب نهر “الرفيل” فيه.

وكانت تحيط بهذا الموقع قرى مأهولة بالسكان مزدهرة، أهمها بغداد القديمة “وسونيا الآرامية” و”الخطابية” و”شرفانية” و”بناورا”، وكان هناك جسر على دجلة، ودير للنصارى. وكانت الأرض التي تحيطها سهلة زراعية تسقيها مياه تتفرع من نهر “الرفيل” الواسع الذي يأخذ من نهر الفرات ويبعد عن بغداد نحو 30 كيلومترا، ومن نهر “الدجيل” الذي يأخذ مياهه من دجلة في شمالها. وهذه الأراضي المزروعة كانت واسعة تنتج محاصيل زراعية وافرة، وتقابلها بشرق دجلة أراض منبسطة أيضا تروي مزارعها أنهار وترع عدة، وبعد تأسيسها في عهد أبي جعفر المنصور، بلغت بغداد في عهد هارون الرشيد قمة مجدها ومنتهى فخارها، وامتدت الأبنية في الجانبين امتداداً عظيماً، حتى صارت كأنها مدن متلاصقة لكثر سكانها والإقبال على أسواقها وتجارتها. وبعد وفاة الرشيد عام 809 للميلاد تمت البيعة لابنه الأمين في “طوس” أولاً ثم في “بغداد”، ويذكر التاريخ أن المدينة قد مرت في عصره بأهوال انتهت بقتله عام 814. ثم تمت مبايعة المأمون على إثر قتل أخيه، ولكنه لم يبرح خراسان وبقيت بغداد تئن تحت كابوس الحكم العسكري.

من هذه اللمحة التاريخية المبسطة، عرجنا على بداية ازدهار هذه المدينة، في فترة الحكم العباسي، لست هنا أوثق تاريخياً، فلا يعنيني السقوط، بل أريد ذكر مدينة السلام في أبهى حلة وأجمل طلة، وكأنها لا تزال عاصمة الخلافة الإسلامية، إذ ليس لحلمي حدود، ولا أريد أن أقف عند حدود الزمان، بل سأعيش بين تلك الأبواب والمدارس القديمة، وكل العز الذي كانت تتمتع به عواصمنا العربية والإسلامية، اعذروا كتابتي التاريخ كما أرغب وأحب، مع احترام التسلسل الزمني لفترات الازدهار، ولا يعنيني غير ذلك شيء.

مدينة السلام كما كنا قد أشرنا في الأجزاء الأولى من عهد الدولة العباسية، أن تشييدها استغرق خمس سنوات لتتحول إلى مركز للثقافة العربية والإشعاع الإسلامي إلى كل الدنيا، لكن قبل لك لنتعرف على النمط العمراني الذي تمتعت به مدينة الخليفة المنصور آنذاك، تتميز المدينة ببناء أفقي يمتد لنحو 45 كلم طولاً ولنحو 50 كلم عرضاً وتتكون من 872 حياً سكنياً في طرفيها الكرخ والرصافة، وقال عنها الخطيب البغدادي: (لم يكن لبغداد في الدنيا نظير, في جلالة قدرها وسعة أطرافها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشوارعها ومحالها وسككها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها).

بنيت مدينة السلام على شكل دائري, قطر الدائرة 2 كيلومتر قبل انتهاء البناء، أضيفت دائرة أخرى داخل الدائرة الأصلية وبني فيها المسجد الجامع، ومقر الحرس الخليفي، و قصر الخليفة المنصور، وبنيت على الجانب الغربي المعروف الآن بالكرخ، وتتميز المدينة بتخطيطها الملهِم فائق الدقة، ويوضح أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، عالِم الجغرافيا والمؤرخ العربي الذي عاش في القرن السابع وألَّف “كتاب البلدان”، أن موقع بغداد التجاري على ضفاف نهر دجلة، بالقرب من الفرات، أعطى المدينة فرصة لتكون نقطة تقاطع كونية، فقد أصبحت مدينة السلام ومحور العالم وعاصمة الإسلام دون منازع، وكذلك موطن العلماء الرائدين وعلماء الفلك والشعراء وعلماء الرياضيات والموسيقيين والمؤرخين ورجال القانون والفلاسفة.

وكان الجغرافيين المقربين من الخليفة المنصور قالوا له عن اختياره لمدينة السلام أن تكون مركز الخلافة العباسية: (إن بغداد يا مولاي يحدها دجلة والفرات وهما حصنان يقيانها من الأعداء وتحصن بالأسوار والخنادق وقد رزقك الله سوراً وخندقاً لم يعمل لمثله في سائر مدن الشرق والغرب إنهما دجلة والفرات فلا يأتيك عدو ولا غاصب إلا احتاج إلى عبور، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط وأرض السواد “اسم قديم للعراق”، قريب للبر والبحر والجبل)، ولذلك اختارها المنصور عاصمة لدولته العربية العريقة.

ووفقاً لبعض المؤرخين، أدى الخليفة المنصور هذا العمل بنفسه وفرض عليه رقابة صارمة، فجعل العمال يرسمون خطوطاً من الرماد على الأرض لتخطيط مدينته الدائرية، وكانت الدوائر المتقَنة إجلالاً للدراسات الهندسية لعالِم الرياضيات اليوناني “إقليدس”، التي درسها الخليفة وأُعجب بها، بعد ذلك، تجول الخليفة في مخططه الدائري وأعطى موافقته على التصميم، وأمر بوضع كرات قطنية منقوعة في سائل نفطي على الدوائر المصنوعة من الرماد وإضرام النار فيها، لتحديد مكان تشييد الجدران الخارجية المدعمة، وفي عام 762 ميلادي، بعد أن أعلن المنجمون الملكيون أنها الفترة الأنسب لبدء أعمال البناء، صَلَّى المنصور ووضع حجر الأساس، وأمر بجمع العمال وبدء البناء، بُنيت المدينة التي تشبه القلعة حجراً تلو الآخر، وكان الانتهاء منها واحداً من أعظم مشروعات الدولة العباسية.

في عام 766 ميلادي، اكتمل بناء المدينة الدائرية أو المدورة، وكان ذلك نصراً كبيراً، إذ أبدى الجاحظ إعجابه بالمدينة وهندستها المعمارية الدائرية، قائلاً: (إنه شاهد مدناً عظيمة في بقاع العالم المختلفة، لكنه لم يرَ مدينة بهذا الارتفاع وهذه الدوائر المتقنة وهذه الخصائص الفائقة، إنها بالفعل مدينة الخليفة أبو جعفر المنصور).

وفي عهد هارون الرشيد عاشت المدينة المدورة أفضل أيامها الذهبية عام 786 ميلادي، حيث دخلت الدولة العباسية عصراً جديداً شهد الكثير من الإنجازات. وازدهرت المنطقة الممتدة من وسط آسيا وحتى المحيط الأطلسي، ولمع نجمها في زمن خلافة الرشيد، حيث عرف باهتمامه بالعلماء والتزامه الديني، فضلاً عن إنجازاته التي أسهمت في نماء المنطقة بأكملها، وازدهرت النشاطات الثقافية والإسلامية، ليطلق على ذلك “العصر الإسلامي الذهبي”، لقد شهدت المدينة في عهده تطوراً كبيراً في الجانب الحضاري وبناء المؤسسات، كما أصبحت قبلة طلاب العلم من مختلف بلدان العالم، زد على ذلك أن أكابر الفقهاء والمحدثين والقراء توافدوا على بغداد، وكان يأتيها الأطباء والمهندسون من كل مكان، كما وفد إليها الشعراء والمترجمون والأدباء والمغنيون والموسيقيون، حتى أصبحت بغداد وجهة كل عالم وطالب علم، وذكر ذلك الخطيب البغدادي بقوله “وأكثر ما كانت عمارة وأهلاً في أيام الرشيد، إذ الدنيا قارة المضاجع دارة المراضع خصيبة المراتع، مورودة المشارع”.

أخيراً، وليس آخراً، لا يبدو أن المدينة الأهم ستكون كما كانت في العهود الماضية بل إن معظم الأوابد اليوم ليست على حالها بفعل الاستعمار والاحتلال حيث شهدت أهوالاً كثيرة، لكن كلنا أمل أن تعود يوماً ما كما كانت مدينة السلام وأن تنعم بالسلام وتذوق طعمه لأنها تستحق منا كل الود والحب، ووفاءً منا لها يجب أن نذكرها دوماً ونفتخر بها مذ أن كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، وأن تكون عامرة بأهلها ومحبيها الطيبين.

*كاتب ومفكر – الكويت.