مقالات

“مزحة” ستريدا إستلزمت “مياكولبا” (*) من سمير!

إذا كان إتفاق معراب الذي يبدو أنه في حاجة إلى دخول غرفة العناية الفائقة بعد توتر العلاقات بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”قد استلزم اشهرًا لكي يصبح حبرًا على ورق، وأعتقد كثيرون أنه أنهى خلافات بين الطرفين عمرها سنوات، فإن ما بين “القوات” وتيار “المردة” سنوات من البعد السياسي بمفهمومه الإستراتيجي، ومجزرة ذهب ضحيتها الوزير طوني فرنجية وزوجته وابنتهما، ووصفها الدكتور سمير جعجع بأنها “كانت ساعة تخلٍ”، مع ما يعني هذا التعبير من أن الجميع وفي خلال الحرب كانت لهم أخطاؤهم وإرتكاباتهم.

من خلال مسار تطور العلاقات بين “التيار” و”القوات” كان لكل من الوزير ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان مساهمات حثيثة في ترطيب الأجواء، حيث كان الأمر ممكنًا، وحيث لم تتخطَ الخلافات الظرفية عتبة القطيعة أو الطلاق، وقد لعبا دورًا إيجابيًا في كثير من الإحيان في نزع الألغام التي كانت تصادف الطرفين على طريق معراب – بعبدا، أو بالأحرى معراب – مبنى ميرنا الشالوحي، بإعتبار أن العماد ميشال عون، وبعدما أصبح رئيسًا للجمهورية لم يعد يتعاطى بالتفاصيل التي تخصّ العلاقة بين “التيار” و”القوات”، وهو كان يحيل مراجعيه على الوزير جبران باسيل بإعتباره رئيس “التيار”.

من يراجع مواقف كل من عون (الرئيس) وجعجع قبل الإتفاق لم يكن يعتقد يومًا أنه من الممكن جمع الأضداد إلى طاولة واحدة وفي معركة رئاسة الجمهورية، على أثر ترشيح الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وهذا الأمر كان من بين الأسباب الرئيسية التي جعلت جعجع يستعجل تبني ترشيح العماد عون في حينه، وذلك نظرًا إلى ما كان يمكن أن يشكّله ترشيح فرنجية من محاذير بالنسبة إلى معراب، ومن بينها إنتماء الرجلين إلى جيل المخضرمين في السياسة، فضلًا عن إنتمائهما إلى منطقة جغرافية واحدة (بشري وزغرتا).

ولمن لا يعرف الكثير عن العلاقة المتوترة بين بشري وزغرتا عبر التاريخ يكفيه أن يراجع النكات التي يتبادلها البشراويون كما الزغرتاويون لتبيان ما فيها من تنافر وتنافس وحزازات ونكايات وخلافات، حتى كانت مجزرة إهدن، وصودف أن الدكتور جعجع كان من بين ثلاثة قادوا هذه العملية، لكنه أصيب قبل وقوع الجريمة، ونقل إلى مستشفى أوتيل ديو في حالة خطرة جدًا، وهو لا يزال يعاني من آثار هذه الحادثة حتى اليوم، وقد أصيب يومها بيده اليمنى.

وعلى رغم عدم مشاركة “الحكيم” في شكل مباشر بمجزرة إهدن، فإن ما تركته من آثار على علاقة مسيحيي الشمال بمسيحيي الداخل كان كبيرًا جدًا، فضلًا عن تداعيات العلاقة بين أهل زغرتا وأهل بشري. إلاّ أن موقف النائب سليمان فرنجية التاريخي والمشهود له من الداني ومن القاصي، حين تخطّى جرحًا عميقًا وعواطفه الشخصية، قد جنّب المنطقة سلبيات كثيرة كان من الممكن أن يكون لها تداعيات لا تُحمد عقباها.

إلاّ أن الموقف التاريخي الذي اتخذه فرنجية ساهم كثيرًا في ترطيب الأجواء الشمالية ومهدّ لحوار بين “المردة” و”القوات” قام به كل من طوني الشدياق، وهو إبن بشري، والوزير السابق يوسف سعاده، إبن زغرتا، اللذين انطلقا من ضرورة إنهاء حال الجفاء السائدة في الأوساط “القواتية” كما في الأوساط “المردوية”، وهي حال لم تصل إلى حدود ما كانت وصلت إليه العلاقة “القواتية” – “العونية”، والتي كانت تترجم على أرض الواقع صدامات في المدارس والجامعات.

وعلى رغم زلة لسان النائب ستريدا جعجع، وإعتذارها من بعدها من جميع أبناء زغرتا، فإن ما يتناهى من أوساط الطرفين الزغرتاوي والبشراوي، فإن المفاوضات بينهما قطعت شوطًا لا بأس به على مستوى العلاقة الطبيعية بينهما، خصوصًا أن ثمة كلامًا غير رسمي منقولًا عن جعجع أن من أستطاع التفاهم مع “العونيين” لا يصعب عليه التفاهم مع أيٍ كان، وبالأخصّ مع فريق مسيحي له حضوره السياسي والشعبي على مستوى لبنان عمومًا وعلى مستوى الشمال خصوصًا.

وهذا الأمر يدعو بعض المطلعين إلى التفاؤل بإمكانية توصل الفريقين إلى إتفاق على الأمور التي لا تشكّل في السياسة تضاربًا في المصالح الوطنية، بغض النظر عن الإختلاف العميق على الأمور الإستراتيجية، التي تبقى عرضة للأخذ والردّ، في ضوء ما يمكن أن تفرزه التطورات الإقليمية والمحلية من مفاجآت، قد تتبدل معها النظرة الموضوعية للتحالفات الراهنة.

ومع أن عيني كل من “الحكيم” و”البيك” على رئاسة الجمهورية، ولو بعد حين، فإن ما يجمع بينهما في الظرف الراهن هو ما يفرّق بينهما وبين رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل إنتخابيًا، أقله في دائرة الشمال. وتشير المعلومات إلى سعي مشترك يبذله تيار”المردة” وحزب “القوات اللبنانية” إلى تقارب انتخابي يضم أطرافاً آخرين، وهذا التقارب يعني إذا ما تحقق حسم نتيجة انتخابات دائرة الشمال إلى حد بعيد، سواء خاضتها لائحتان أو ثلاث وأكثر.

فهل ينجح الشدياق وسعاده في تعبيد طريق بنشعي – معراب أم تبقى مساعيهما محصورة في إطار “ضبضبة” الوضع الشمالي المسيحي فقط، من دون التوصل إلى ما يشبه إتفاق معراب، الذي يبدو أنه يعيش آخر أيامه إذا لم يتدخّل الرئيس عون شخصيًا ومدّه بالأوكسيجين والأمصال الضرورية لإبقائه على قيد الحياة.

(*) مياكولبا تعني فعل الندامة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.