مقالات علوم وتكنولوجيا

مع الحبيب المصطفى “ص” السلسلة الرمضانية الأولى من ثلاثة أجزاء – بقلم عبد العزيز بدر القطان


نفحاتٌ رمضانية.. سيرة أشرف الخلق وشمائله

عبد العزيز بدر القطان

في أولى أيام شهر رمضان المبارك، ليس أعظم من أن نخصص هذا الشهر الكريم، لأشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حبيبنا المصطفى، نذكر شمائله، ونقطف أزهاراً من حدائق سيرته العطرة، نتقرب في شهر الرحمة من شفيعنا وحبيبنا، ورسولنا الكريم.

إن عظمة رسول الله ثمرة من ثمار النبّوة، يتمتع بكل صفات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي، لأنه نبيٌّ مرسل من الله تبارك وتعالى، لنعرف إسلامنا في حقيقة نبينا الأكرم وفهم شخصيته والظروف التي عاش فيها، الرسول الذي أيده الله بوحيه، ما يضع أمامنا الحياة المثالية والصبر والثبات على بلوغ الهدف الأسمى، فهل أعظم من أن يكون النبي محمد ملهمنا ومثلنا الأعلى، فهو قدوة للإنسانية أجمع، قال تبارك وتعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

في هذا الشهر الكريم سنتذوق من سيرة النبي وشمائله من عذب روحه ومقاصده، من عقيدة وأحكام وأخلاق، فهو معلمنا الأول استلهمنا منه سلوكنا، إن حياته نموذج رائع للخلق والسلوك والأمانة، وللأب والأخ والمربي والقائد، والجامع للحق والعدل، والجميع يعلم إن فهم سيرة النبي وسنته النبوية هما المفتاح الأول في فهم القرآن الكريم، ثم تطبيق أحكامه والعمل بها، السيرة النبوية هي بوابة المسلمين نحو التدوين من علوم حديث ومصطلحاته وعلم الجرح والتعديل وغيرهم، سيرة نبينا هي من حفظت مصادر الإسلام وينابيعها الأولى ولولاها لضاع إرثنا، قال تبارك وتعالى: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

لكن قبل الخوض في أي شيء، لا بد من معرفة تسلسل مصادر السيرة النبوية، وأولها القرآن الكريم الذي بين لنا الملامح العامة لحياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الثاني كتب السنة النبوية التي كتبها أئمة الحديث المشهورون والمعروفون بصدقهم وأمانتهم كالكتب السنة وموطأ الإمام مالك بن أنس، ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، والثالث، هم الرواة الذين اهتموا بسيرة النبي وحياته وخاصة الصحابة، وعليه إن السيرة النبوية التي نملك جاءت كتثبيت لأحداث السيرة بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بالسند والمتن وقواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.

إن سيرة نبينا الأكرم ليست قصة نسردها في هذا الشهر الكريم، بل نتعمد ذكرها لنتعلم منها ونتعرف على مسالكها، وجميعنا يعرف هذه المعلومات في مجملها، لكن لماذا نحن مسلمون؟ ولماذا نحب رسول الله ونؤمن به وبالقرآن الكريم؟ هي أسئلة بسيطة لكن الغوص في تفاصيلها، تشرح وتوضح لنا الكثير، خاصة الجانب الروحاني الذي امتاز به نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لماذا في ذكره تصفى نفوسنا وترتاح قلوبنا؟ هذه الأسئلة على بساطتها إلا أنها تحمل معانٍ كبيرة وثقيلة في ميزان أعمالنا، فكل مسلم لا يعيش الرسول بضميره ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره، مهما قال وعمل فليس له من الإسلام شيء، لنتحلّى بأخلاق نبينا ونكون عند حسن الظن، لنحول في هذا الشهر الفضيل، سيرة النبي إلى قصائد وتواشيح، والقرآن الكريم إلى ألحانٍ عذبة.

 النبي محمد بن عبدالله، اسمٌ له وقعٌ كبير في نفوس المسلمين، له رنّة وغنّة، له معزة ومحبة، ولنبيّنا أسماءٌ عدّة:

محمدٌ معَ المُقفّي أحمدا *** الحاشرُ العاقِبُ والماحي الرّدا

وهوَ المسمى بنبي الرحمةِ *** في مسلمٍ وبنبي التوبةِ

محمد أشهر أسمائه وأشرفها لإنبائه عن كمال الحمد المُنبي عن كمال ذاته، سمي به مع كونه لم يؤلف قبل إما لكثرة خصاله الحميدة وإما لأنه تعالى وملائكته حمدوه حمداً كثيراُ بالغاً غاية الكمال، وأحمد، معناه أحمد الحامدين لربه، نبي الرحمة، قال تبارك وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، ونبي التوبة، النبي الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ، وذلك في حقه معجزة وفي حق غيره عجزٌ، المبشر لأهل الإيمان بالرضوان في هذه الدار وفي دار القرار، والسراج المنير، به انجلت ظلمات الشرك كما ينجلي ظلام الليل بالسراج واهتدت بنور نبوته البصائر كما يهتدي بنور السراج الأبصار.

وهو ابن عبد الله عبدُ المطلب *** أبوهُ وهو شيبةَ الحمدِ نُسِبْ

أبوة عمرو هاشمٌ والجدُّ *** عبد مناف بنُ قُصي زيدُ

ابن كلابٍ أي حكيمٍ يا أخَيْ *** وهو ابنُ مُرَّةَ بنِ كعب بنِ لؤي

وهو ابنُ غالب أي ابن فِهْر *** وهو ابن مالك أي ابن النضر

وأبُهُ كنانةٌ ما أبركه *** والدُهُ خزيمة بنُ مُدركهْ

وهو ابن الياسَ أي ابن مُضرا *** إبنِ نزار بنِ معدٍّ لا مِرا

خص الله تبارك وتعالى نبينا الأكرم بالإيمان والهداية، ووعي العلم والحكمة، ونشر الرسالة، قال تعالى: (وأطيعوا الله والرسول)، ورمضان شهر خير وبركة، حباه الله تعالى بفضائل كثيرة، منها: أن الله عز وجل أنزل فيه القرآن هدى للناس، ورحمة وشفاء للمؤمنين، قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

لنغتنم أيام وليالي الشهر المبارك بالاقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

نفحات رمضانية .. رحمةً للعالمين (2)

عبد العزيز بدر القطان*

حين انصرفت مشيئة الله تبارك وتعالى إلى خلق الكون، حين أراد ان يخلق المجرات والنجوم والشموس والكواكب والأراضي وقال له كن فكان، قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون). وبعث لنا نبياً رحمةً للعالمين، معلماً وحكيماً، قائداً لنا وملهماً لأن نسير على هديه ونتبع خطاه، قال تبارك وتعالى: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة).

كثيرون من كتبوا عن النبي محمد أشرف الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، لكن قليلون من تركوا بصمتهم في إسهاماتهم رغم النية الصافية والعمل المجتهد، لكن تبقى الكلمة والمعنى بألف كلمة دون معنى، يبقى الإبحار في روائع نبي الله هو الغاية الأسمى، هو الهدف الأعلى، هو الأجر العظيم، ماذا أقول ومن أين أبدأ؟ إن مجرد التكفير في الكتابة عن الحبيب المصطفى تختلط المشاعر بين غبطةٍ وسعادة وبين خوفٍ من أن لا نقدم ما يترك الأثر المفيد للناس ونثريهم بما نعتقد أنه مفيد، قامات دينية وعلمية كثيرة كتبت، منهم من تحولت أعمالهم إلى كتبٍ وأفلام ومسلسلات، إلى قصص تُروى، كتّاب حرصوا على نقل تفاصيل حياة الرسول بكل دقائقها وحقائقها، كل بفهمه الخاص، وبأسلوبه المتميز، وبتناوله لجانب من جوانب حياة الرسول دون الإحاطة الكلية التي حرص عليها كتاب السيرة النبوية في العصور السابقة.

أنبياء الله لنا جميعاً رحمة، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، قال تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، وأرسل الله تبارك وتعالى إلينا كتاباً معجزة وهو القرآن الكريم، كل سورة منه معجزة وحكمة وعلاج ومقصد وقيمة وحكم وتشريع، معجزة حية لا تموت طالما أن هناك إنسان يقرأ ويفهم ويطبق أحكام هذه المعجزة، لكن أين الرحمة من عالمنا اليوم؟ ونحن في أيامٍ مباركة وفي الأيام التي نزلت فيها هذه المعجزة، هل الناس اليوم رحماء على بعضهم؟ هل نطبق ما جاء في كتاب الله تعالى؟

إن الرحمة في أيامنا هذه عملة نادرة، مرحومون من السماء ومعذبون في الأرض، هل هذه هي رسالة الصادق الأمين لنا؟ نبينا رحمة لنا، لكن البشر ابتعدوا عن الدين وتعلقوا بقشوره، حولوه إلى فلكلور وعادة لا عبادة، وضعوا المساحيق على وجوه الناس لأن الرحمة مواقف وعمل وسلوك ليست أقوال، الفعل الحقيقي للرحماء أن يشعروا بمصائب إخوانهم، ويمدوا يد العون لهم، هناك مسلمين يشعرون بالجوع وهناك من يقتلون فقط لأنهم مسلمين، فأين هي الرحمة في زمننا الحاضر، نحن أمة مسلمة كبيرة عدداً، لكن قليلة في الأفعال، لقد رسم نبينا الأكرم آفاقاً للإنسانية والكمال الذي تستطيع أن تبلغه البشرية من بعده، لكن هل منا من يغوص في قلب المعاني النبوية ووصايا رسولنا الكريم اليوم؟

إن الأخلاق من صفات الكمال؛ ولذا كمّل الله تعالى بها نبينا محمد فكان أحسن النّاس خُلقاً، ولا شك أن الكثير منا يريد أن يتحلى بأخلاق الإسلام ونبيه، لكن لماذا هذا البعد اليوم عن هذه الأخلاق؟ والتطبيق بسيط جداً، اعلم أيها المسلم أن الخنوع والصمت والسكوت وأنت القادر على التغيير سينقص من ميزان أعمالك في الدنيا وفي الآخرة، الدفاع عن الإسلام يعني الدفاع عن أخيك المسلم في كل مكان وفي كل الساحات، لا أكتب ذلك من باب التباهي بما أملك وما أستطيع، لكن من باب المشاركة الأخوية والوصول إلى الصفاء الداخلي، لم أقرر أن أذكر عظمة النبي الكريم من بابٍ سطحي وسرد معلومات جميعنا يعرفها، لكن من باب الصحوة التي نحتاجها جميعاً، نحتاج إلى الرحمة التي نفتقدها، أنا شخصياً أفتقدها، أفتقدها في دموع الأمهات الثكالى على امتداد البلاد العربية والإسلامية، أفتقدها في دموع طفل فقد المأوى بسبب الحروب العبثية، أفتقدها في بردٍ يلفح مسلمون يفترشون الطرقات، أفتقد إلى أمتي العربية والإسلامية، وحضارة أمتي القديمة التي أريد أن تعود، ولن تعود إلا عندما نحب بعضنا ونتألم لحالنا.

نبينا الأكرم كان عظيماً في كل شيء في الدين والعقيدة والعبادة والإيمان والمعاملة والأخلاق، وهو نبي الرحمة التي ما عادت موجودة بيننا حتى داخل البيت الواحد والأسرة الواحدة، وفريق العمل والمؤسسة أو أي تجمع كان، الرحمة أيها السادة سمة مجتمعية أخلاقية وحضارية عندما ننشر قيم هذه الرحمة عملاً بما أمرنا الله تبارك وتعالى وعملاً بمنهج وسلوك نبينا الأكرم، وهل من أيامٍ مباركة أفصل من شهر الرحمة شهر رمضان المبارك لأن نطبق هذه الرحمة، قال تبارك وتعالى: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

إن الرحمة من أعظم الأخلاق المحمدية، قال تعالى:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، رسولنا الكريم نبي الرحمة، ومن يتتبع سيرته العطرة يجده صلى الله عليه وآله وسلم رقيقاً رحيماً في تعامله مع الناس، فأعظم مقاصد بعثته رحمة العباد ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لنكون رحماء كما نبينا والأوان لم يفت بعد.

نفحات رمضانية.. هوية أشرف الخلق (3)

عبد العزيز بدر القطان*

إن فهم شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كنبيٍّ مرسل يمتلك مهارات مميزة وعالية من الوعي والحكمة، وما إلى هنالك من صفاتٍ حميدة، نتبينها جميعها من خلال السيرة النبوية وأهم كتابٍ لفهم هذه السيرة وما فيها هو القرآن الكريم، ومن خلاله نعلم هوية الحبيب المصطفى التي نقدّرها ونحبها ونجلّها، وندركها تماماً.

قال تبارك وتعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزّل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم).

إن سيرة أفضل وأشرف الخلق، تجعلنا نعرف لماذا نبينا الأكرم مثلنا الأعلى، والشخصية الأسمى، للأخلاق والتعامل مع الآخرين، أعداء أم أصدقاء، ولكل باحثٍ عن النموذج الأسمى للحياة الإنسانية، تتلخص في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خلال هذه السيرة علينا أن نسقط كل ما فيها على أنفسنا ونتبين هل نحن نسير على هذا المنهج؟ أم نحن لم نصل إلى تطبيق سلوك نبينا الأكرم كما أراد لنا؟ إذاً علينا مراجعة سلوكنا وتصرفاتنا من خلال سيرة رسول الله، فإن كنا نسير على هذا الطريق علينا أن نشكر الله تبارك وتعالى، وأما إن كنا مبتعدين عن خُلق وهدي نبينا علينا أن نراجع تصرفاتنا وأفعالنا لأننا بذلك نكون بعيدين عن الميزان الإنساني السليم.

إن سيرة سيدنا محمد هي كالمصباح الذي ينير لنا فهم الكثير من الأمور الغامضة في حياتنا وفي عبادتنا حتى في كتاب الله عز وجل، لأنه يجب علينا أن نفهم القرآن الذي أنزله الله تبارك وتعالى، فأي غموض يعترينا في العبادات والمعاملات وكل شيء، تجد حله ومفتاحه في فهم سيرة النبي الأكرم، التي تضم كم كبير من الثقافة الإسلامية العامة من خلال التعرف على الإسلام ككل، من معتقدات وشرائع وأخلاقيات وإنسانيات، وما إلى هنالك، نكتسبها عن طريق فهمنا لمسلك وحياة سيدنا محمد، ولأننا من أتباع الديانة المحمدية، السيرة النبوية في مضمونها تنطوي على أمور عقيدتنا وأحكام تشريعنا الإسلامي، ومبادئ الأخلاق والقوانين في حياتنا الحالية، لذلك إن فهم هذه الأمور هو فهم عميق لما أريد لنا أن نكون، وأن نُعامِل وأن نتَعَامل.

وبالتالي فهم حياة الرسول الكريم ومنهجه، تفتح بصيرتنا وأفقنا على أكبر قدر من الممكن لنا تحصيله من منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، نحن اليوم كمسلمين يجب أن نبذل جهدنا ما استطعنا في أن نحقق هذه الدعوة وأن نكون دعاة من خلال أعمالنا الحياتية اليومية وتحويلها إلى سلوك يرضي الله ورسوله، ويرضينا عن أنفسنا، لأننا بذلك نكون فعلاً على الدرب الصحيح، قال تبارك وتعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، ولأن نكون كذلك لوحدنا لا نستطيع ذلك إلا بعد أن نكوّن فكرة موسعة عن منهج الدعوة إلى الله عز وجل وذلك من خلال الفهم العميق لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كان سيد الدعاة إلى الله تعالى.

وكما ذكرت آنفاً، أن المصدر الأساس في فهم كل ما سبق، في كتاب الله تبارك وتعالى، الذي يضم مشاهد هذه السيرة، تجدها في سورة “آل عمران”، وسورة “الأنفال”، وسورة “التوبة”، وسورة “الفتح”، والكثير غيرهم، القرآن الكريم وضع لنا مشاهد من سيرة وحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حتى وإن كانت غير مفصلة في بعض جوانبها، حيث توضحها المصادر التي تلي القرآن الكريم وهي كتب “السنة النبوية” كما في الكتب الستة، للأئمة البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داوود، ومسلم، إضافة إلى الأسانيد مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل التي تحوي الكثير من بيان حياة نبينا الكريم.

هذه المصادر وحتى من تخصص من بعد ذلك في السيرة النبوية كتبها بموضوعية مجردة دون إقحام أهوائه وأحاسيسه وميوله وآرائه فيها، بل يكون أميناً على نقله فيها، وهذا بالطبع لا يتحقق إلا كما كنت أشير دوماً، بالاعتماد على السند الصحيح كاملاً، وكما رويت أحاديث رسول الله، ذات المسلك والمنهج مع سيرته العطرة، على عكس الغرب الذي ربط الدين بالعلم، وغيّر كل المفاهيم التي لا ترتبط بالعلم الذي يرى مصلحته فيه، وبمعنى أدق فضّل الغرب العلم على الدين، ومن ذلك رأينا نشوء الاستشراق والإلحاد والعلمانية ومصطلحات لمدارس كثيرة في هذا الاتجاه، والتي هي بطبيعة الحال كانت تحارب الإسلام في توجهاتها وآرائها، ومدارسها، وبالتالي تجمهر حولها ممن هم مسلمون شكلاً، لا مضموناً، المبتعدون عن سيرة النبي الكريم وتعاليمه ومنهجه ومسلكه، لذلك لا غرابة اليوم عندما نجد البعض متأثراً بالغرب، فلو كان يعلم سيرة نبيه الأكرم وكتابه الكريم، لعلم أن لا حضارة تعلو على الحضارة الإسلامية، قال تبارك وتعالى: (والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، وقوله تعالى: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون).

هذا يدلل على أن هناك مخططاً رُسم لتغيير منهج ومسلك السيرة النبوية كما أشرت، والبعض حوّل السيرة من الطريقة الموضوعية إلى الطريقة الذاتية وهذا مكمن الخطأ، وهو أسلوب اعتمده الغرب، وطبقه بعض المستشرقين والملحدين ومن يقولون عن أنفسهم إنهم مفكرين، مبتعدين عن النبّوة، والخوارق والإعجاز والغيبيات والكرامات، التي أكرمها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستعيض عنها بوصف (العبقرية والعظمة والقيادة) وما شابه ذلك، لإخفاء هوية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكرت في مقال الأمس، النبي محمد كل الصفات الحميدة مجموعة بشخصه، لكنه قُدّم للعالم على أنه رسول الله تبارك وتعالى، والقرآن الكريم كتابٌ عظيم فيه من الدقة الوثقى التي عرّت هؤلاء الذين يعملون على تشويه ديننا وتشويه نبينا ورسالته العظيمة.

إذاً، إن كتابة السيرة النبوية الحقّة، هي التي كتبت بموضوعية ومنهج علمي دقيق، ولكل المشككين، إن الخوارق والغيبيات وكل ما جاء فيها لا يتعارض مع العلم إطلاقاً، بل هو المنهج العلمي الدقيق، والذي اعترف فيه الكثير من الباحثين الغربيين، يقول غوستاف لوبون عالم النفس الفرنسي: (كان للحضارة الإسلامية تأثيرٌ عظيم في العالم، وإنَّ هذا التأثير خاصٌّ بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، وإنَّ العربَ هَذَّبوا البرابرةَ الذين قَضَوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخُلقي، وإنَّ العربَ هم الذين فتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية بتأثيرهم الثقافي، فكانوا مُمدِّنين لنا وأئمة لنا ستة قرون).

أخيراً، إن السيرة النبوية، رحلة دينية وعلمية واجتماعية وعسكرية واقتصادية، مسيرة حياة كاملة تركت لنا طريقة عيشٍ كريم، سنعمل على تفصيلها قدر الإمكان بأسلوبٍ بسيط لكنه موضوعي ودقيق، ولفهمها لا بد من الانتباه للترتيب الزمني والمكان واللغة والعناصر كلها لتبسيط هذه السيرة للجميع، ولذلك شاء الله تبارك وتعالى أن يكون رسوله الكريم من منطقة عربية، وأن تكون اللغة العربية هي اللغة الجامعة لنشر هذه الرسالة الربانية وترجمان لها في كل أنحاء العالم، ومن يقارن بين اللغة العربية واللغات الأخرى نجد أن لغتنا العربية أقدر اللغات كلها على استيعاب المشاعر والمعاني وهذا كان أهم أسباب اختيار الله عز وجل لمنطقة الجزيرة العربية دون غيرها، والتي سنفرد لها موضوعاً مفصلاً يوم الغد إن شاء الله تعالى.

*كاتب ومفكر – الكويت.