مقالات بأقلامكم

نور من أنوار الازهر الشريف العلامة الزيات.. الكفيف الذي علّم البصراء – بقلم عبد العزيز بدر القطان

عبد العزيز بدر القطان

إمام في القراءات بلا نظير، وآيةٌ في العلم، صافي القلب، حيّ الضمير، ومن أفاضل وأجلّ علماء الشريعة الإسلامية، حافظٌ للقرآن الكريم، وحاصلٌ على الكثير من العلوم العربية والشرعية، من آخذي القراءات العشر الصغرى والكبرى، كانت مسيرته العلمية حافلة بالعطاء فلقد كان مدرّساً للقراءات بقسم تخصص القراءات التابع لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف، إنه فضيلة العلاّمة الشيخ المقرئ أحمد عبدالعزيز أحمد محمد الزيات، الأزهري المصري المدني الضرير.

المقرئ الشيخ الزيات، من مواليد القاهرة – مصر (1907 – 2003)، التحق الشيخ بالأزهر الشريف بعد أن حفظ القرآن الكريم وحصل الكثير من العلوم، وأخذ القراءات العشر الصغرى من طريقي الشاطبية والدرة، والعشر الكبرى من طريق طيبة النشر عن كل من الشيخين الكبيرين: الشيخ خليل الجنايني وفضيلة العلاّمة الشيخ عبدالفتاح هنيدي، ليكون هو ثالث ثلاثة من أصحاب الأسانيد العالية في القراءات، ومن صفاته أنه كان عفيف اللسان، لا يغتاب أحداً، ولا يسمح لأحدٍ أن يغتاب عنده، وكان حريصاً على طلبته، حنوناً عليهم ودوداً معهم.

هذا العالم الكبير المحقق صاحب التحريرات المفيدة والتصانيف الفريدة كان الشيخ إماماً في القراءات بلا نظير، وآية في العلم والحياء والفضل والنبل، كان كثير الإنفاق في سبيل الله تبارك وتعالى، وكان يساعد الأيتام والفقراء، لم يكن العلامة الزيات مجرد مقرئ للقرآن الكريم بل كان مضرب المثال في الورع والتقوى فاستحق أن يكون إمام القراءات، وبرغم ثقافته الأزهرية الأصيلة فلم يكن يحب الظهور، الضرير الذي علّم البصراء، فقد وهبه الله بصيرة وضّاءة أنارت له الطريق إلى العلم الذي نهل منه الكثير حتى صار مضرب المثل وإليه يرجع واحد من أهم العلوم وهو علم القراءات، ويعتبر الشيخ الزيات من المرجعيات الثقة في علم القراءات، ولأجل ذلك العلم اختير مدرّساً للقراءات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم مستشاراً علمياً لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوّرة بعدها عاد لمصر، واستمر يقرئ الناس في بيته إلى أن توفاه الله تعالى.

إن الإمام المحقق الشيخ الزيات صاحب أعلى الأسانيد في زمانه، والمتربع على عرش القراءات بجدارة، فلقد كان له جهود كبيرة في هذا العلم، لكن ومع شديد الأسف لم يسلط أحد الضوء على جهوده التي تليق به وبمسيرته المعطاءة، فله مكانة كبيرة في هذا العلم وفي التحريرات وتنقيح القراءات، لقد تصدر الشيخ الزيات للإقراء لأكثر من 60 عاماً، كان يدرّس تفسير ابن كثير، وشرح صحيح البخاري، وكان أسلوبه يتسم بالحزم ليتقن طلبته الرواية وضبط الأداء، وكان له أسلوبه الخاص مع طلابه أيضاً كملاحظة مخارج الحروف لديهم وتحسين تلاوتهم، وكان الشيخ رحمه الله لا يستحي في الحق ولا يجامل في الدين والعلم.

كان للعلامة الراحل جهوداً في مراجعة المصحف الشريف، وقد استفادوا منه استفادة كبيرة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، حيث بقي في خدمة القرآن الكريم لمدة 15 عاماً، وكان يتمنى أن يدفن في البقيع إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما عن جهوده في الترجيحات وبخاصة علم القراءات، إمالة القلقلة إلى الفتح، وانفراج الشفتين في الميم عند الباء، في الفاتحة ولكن هذه المسألة لا تزال محط جدل إلى الآن، لأن الأصل في هذه المسائل التلقي والمشافهة والعلم عند الله تبارك وتعالى.

أما جهود العلامة الزيات في التحريرات والذي هو باب عظيم في علم القراءات عُني به السابقون في مصنفاتهم، حيث ألف الشيخ الزيات في ذلك كتاباً يعد من أنفس كتب التحرير وهو كتاب “تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم”، وهذا المخطوط ينقله كل من أخذ عنه القراءات العشر من طريق طيبة النشر، حيث بدأ الشيخ الراحل مؤلفه بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بيان فضل أهل القرآن وما ينتظرهم من الأجر العظيم في الآخرة، ثم الثناء على شيخه الإمام المتولي قائلاً:

لك الحمد يا مولاي صلِّ وسلما … على المصطفى والآل والصحب مرسلا
وبعد: فذا تنقيح تحرير شيخنا … محمد المتولِّ شهر في الملا
فتحريره قد زاد بحثاً ودقة … على كل تحرير لطيبة جلا
ومن روضه عنه فوائد زدتها … فيا رب عمم نفعه وتقبلا

ومن مؤلفات الشيخ الزيات، شرح تنقيح فتح الكريم، وهو مخطوط ينقله كل من أخذ عنه القراءات العشر من طريق طيبة النشر، تحقيق عمدة العرفان للإمام الأزميري مع تلميذه العلامة المحقق فضيلة الشيخ محمد محمد جابر المصري.

أخيراً، العلامة الزيات وإن كان كفيف البصر، إلا أن همته فاقت همم كثير ممن يبصرون، فكم من مبصرٍ بيننا وهو أعمى القلب والبصيرة، لا يعرف من الدين شيء، ولا من الإسلام شيء، نتوق اليوم إلى علمائنا لكن ما دام موروثهم باقٍ بيننا فنحن على الدرب سائرون وعلى نهجهم محافظين.

كاتب ومفكر – الكويت.