مقالات بأقلامكم

وبيّناتٍ من الهدى والفرقان – بقلم عبد العزيز القطان

عبد العزيز بدر القطان*

مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، لا بد من التهنئة المباركة لكم وكل عام وأنتم إلى الله تبارك وتعالى أقرب، أعاده الله عليكم باليُمن والبركات، وفي شهر الغفران لا بد لنا أن ندعو الله تعالى أن تعم الرحمة بين الناس، ويعود الحب والسلام كبديل حقيقي عن الحروب والمآسي، أن يكون شهر العتق من النار، ومساعدة المحتاجين في هذا الشهر وكل شهر.

سيكون الشهر الفضيل، فرصة للتواصل والتقرب مع الله تبارك وتعالى ومعكم، بمحبة وأخوة، سيكون هذا الشهر فرصتنا لأن نجتمع على مائدة الإيمان مع شمائل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فرصة لنا مع سيرة النبي الأكرم أشرف الخلق، وتعاليمه، خصاله وصفاته، ورحلته مع الإسلام، لنلتقي على المحبة دوماً، لذا سنحصصه لهذا الأمر لنبينا وديننا وقرآننا وربنا الأعلى.

آن أوان زمن تهذيب النفس، هذا شهر رمضان المبارك هذا العام يأتي في ظلّ جائحة تحلّ بالإنسانية، من مشارق الأرض إلى مغاربها، جائحة تستدعي رفع الأكفّ عالية في ضراعة الصائم، الساجد، العابد، لاستمطار مراحم الله تعالى على البشريّة  برُمّتها، قال تبارك وتعالى: (لا تقنطوا من رحمة الله).

شهر رمضان العام، كما العام الماضي، سنستقبله وفقدنا أعزّاء وأحبّاء بسبب فيروس “كورونا” ندعو الله أن يرحمهم ويسكنهم فسيح جنانه، لكن وبذات الوقت هذا الشهر هو فرصة لنا ولذاتنا ولعائلاتنا وأحبائنا، لنتقرب من بعضنا بعين المحبة، والتسامح، بعين مساعدة المحتاجين ومسامحة المخطئين، لنفتح صفحة جديدة مع الذات، قال تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

الله سبحانه وتعالى أمرنا بالعفو عند المقدرة، لنعمل بوصايا الله تبارك وتعالى، لنجعل عذا الشهر الفضيل هو بداية العام بالنسبة لنا، شهر رمضان ليس شهر الصوم عن الطعام كما يعتبره الكثيرون للأسف ولكنه شهر الصوم عن كل ما نهى الله تبارك وتعالى عنه فهو تدريب للنفس على الطاعة وفرصة ذهبية للتخلص من كل العادات السلبية التي نريد التخلص منها، شهر رمضان فرصة لشحن الطاقة الروحانية للإنسان لتساعده وتمده بالطاقة طوال العام، فهل نضيع مثل هكذا فرصة؟ هذه منحة ربانية لا يعرفها إلى من حمل الإيمان بقلبه ووعيه وضميره، في فرحة طفلٍ تلاعبه، وقبلة تطبعها على جبين أم، وكلمة لطيفة تود بها الزوجة، وحديث رجال مع ابنك المراهق، مع تبادل الحديث مع جارك وصديقك وزميلك في العمل أو في أي مكان، كله صدقة جارية محتسبة تهذب نفوسنا وتنمي دواخلنا وتنقيها من كل الشوائب السلبية.

لعلّ ما يميز هذا الشهر  هو أنه رحلة البحث عن الهدف الحقيقي لحياة الإنسان على الأرض، ينقلنا من عالم الإغراق في الماديات إلى الخروج من الذات إلى المسكين والفقير، عبر الصدقات، وإخراج الزكاة، والهجرة إلى الله آناء الليل وأطراف النهار، بكل صدق هذا الشهر يجمع ولا يفرق تتجدد فيه العلاقة بين الإنسان وربه، إنه جهاد محبوب ومرغوب، في موسم المغفرة، هو فيض من اللحظات وعطاء من الإشراقات، وهو رأسمال العمر، العزلة الاجتماعية هذا العام، ربّما تكون فائدة للوصل الروحاني وليس للفصل الإيماني، ففي الهدوء ومع  الأسرة الصغيرة العدد، يمكن للنفس البشرية أن تراجع تلك الديناميكية المشتعلة بمحبة العالم، والتعلّق بكلّ ما هو أرضيّ، وتنشد من ثَمّ ومن جديد البحث عن مدينة الله، وبهذا  يمكن أن تتحوّل المحنة إلى منحة.

في هذا الشهر الكريم، نملك فرصة كبيرة لأن نعدل سلوكنا إن كان على خطأ،  نجد في الشهر الفضيل الكثير من القيم الروحية التي تقوي الروابط الأسرية بالاجتماع حول مائدة الإفطار وتبادل الزيارات حتى وإن كنا محرومين منها هذا العام أيضاً، لكنها ممكنة في ضوء الضوابط والقواعد الصحية، لنحافظ عليها قدر الإمكان حباً بالكبار منا والصغار، قال تبارك وتعالى: (ربِّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعائي ربنا اغفر لي والوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب).

أحرصوا في شهر رمضان على الاستماع إلى القرآن الكريم بصوت بعض المقرئين مثل الشيخ محمد رفعت، وقراءته أيضاً في فترات الهدوء والصفاء الروحي، وفي هذا الشهر تتجدد علاقتنا بالقرآن الكريم لأنه منجم لا ينفد من جماليات اللغة والإحساس العميق، قال تبارك وتعالى: (والله خيرٌ وأبقى).

يأتي الشهر المبارك هذا العام في ظروفٍ استثنائية برُمّته لتعيد تذكيرنا بوحدة البشرية، وبأن العالم قد نسي الأصول الواحدة والجذور الواحدة، وأنه حان الوقت لبناء المدينة الفاضلة على  الأرض، من أجل حماية السلام وصون الأمان وتعزيز مستقبل الإنسان، وحتى لا يضحي على الأرض فقير أو جائع، خائف أو قلق، وهو دور واستحقاق تتعاظم الحاجة إليه في زمن تتقلّص فيه مساحات الروحانيات لصالح المادّيّات، نحتاج اليوم إلى قيادات دينية تنويرية تقود العالم الى  بَرّ الأمان، قيادات تعيد التذكير بأن المؤمنين إخوة، تلك هي الفلسفة القرآنية السامية، قدّم لآخرتك من دنياك.

كل عام وأنتم بألف خير.

*كاتب ومفكر – الكويت.