مقالات بأقلامكم

القرآن الكريم.. مائدة الرحمن – بقلم عبد العزيز بدر القطان

عبد العزيز بدر القطان*

قال الله تبارك وتعالى: (قل لئن اجتمعتِ الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا)، إن العرب أهل الفصاحة والبلاغة، وجاء القرآن الكريم متحدياً لهم بإعجازه وبيانه، قال تعالى: (الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان).

يعلم الجميع أن كتب التفسير اهتمت بإظهار الإعجاز القرآني والعناية به، وكشف أسراره ومعانيه التي أبهرت العقول ككتاب “الكشاف” للزمخشري، وكتاب “مفاتيح الغيب” للفخر الرازي، وكتاب التفسير البياني لعائشة عبد الرحمن أو “عائشة بنت الشاطئ”، وغيرهم الكثير، فلا يزال القرآن الكريم بحراً ذاخراً بأنواع العلوم والمعارف، يحتاج من يرغب الحصول، على لآلئه ودرره، أن يغوص في أعماقه، إنه الكتاب المعجز، الذي سيظل يمنح الإنسانية من علومه ومعارفه وأسراره وحكمه.

وقبل البداية لا بد أن نقف عند معاني البيان، لغةً واصطلاحاً، البيان ما يبين به الشيء من الدلالة وغيرها “وبان الشيء: اتضح فهو بيّن، واستبان الشيء: ظهر، والبيان هو الفصاحة، قال تبارك وتعالى: (هذا بيانٌ للناس وهدىً وموعظةً للمتقين)، ولعل الجاحظ كان أسبق علماء اللغة العربية إلى النظر في معنى البيان، حيث سـمى كتابه “البيان والتبيين”، وتحدث فيه عن البيان، قال فيه: (البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته،…)، ويشمل علم البيان، التشبيه والمجاز بأنواعه؛ كالمجاز العقلي، والمجاز المرسل والاستعارة والكناية والتعريض، ففي القرآن الكريم الكثير من الصور البيانية، قال تعالى: (الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك)، ويعرف سيد قطب التصوير الفني في القرآن كما يقول:” تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخيل، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل”، ويوضح أكثر حينما يضيف قائلاً: “وكثيراً ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان”، كما جاء في كتابه “التصوير الفني في القرآن”.

بلاغة الزمخشري

للزمخشري (جار الله، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، 1175 – 1144 ميلادي)، أثر كبير في نهضة البلاغة العربية، وهو صاحب كتاب الكشاف، فهو يقرر أن تفسير القرآن لا يكفي فيه أن يكون المفسر من أئمة، أو النحو، أو اللغة، وإنما ينبغي أن يكون بارعاً في علمين مختصين بالقرآن همـا: علم المعاني وعلم البيان، حيث يقول في مقدمته: “علم التفسير لا يتم لتعاطيه وإحالة النظر فيه كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب (نظم القرآن) فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلِّم وإن برز على أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ علـى القصص والأخبار، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان”، والواقع أن كتاب “الكشاف” يعد خير تطبيق لشموله قواعد المعاني والبيان، وتصوير الدلالة البلاغية وصور الكناية والاستعارة والمجاز العقلي والمجاز المرسل.

وبالتالي، إن الصور البيانية في القرآن الكريم ترسم المعاني بصورة حسية موحية مؤثرة في النفوس، والمتأمل في آيات القرآن الكريم يجد الصورة الفنية مرسومة بتناسق فني معجز، والتعبير القرآني يرتقي بالصدق الفني في رسم الصور والمشاهد، القرآنية وعرضها وإخراجها، حتى يفوق كل أساليب العرض الفني البشرية، ويقول سيد قطب: “الصدق الفني، إبداع في العرض، وجمال في التنسيق وقوة في الأداء”، لقد صور القرآن الكريم الحوادث الواقعة، ومشاهد الطبيعة، ومشاهد العذاب والنعيم يوم القيامة في صورة مادية محسوسة؛ لترسيخ المعاني في أعماق النفس، ومن الصور الإنسانية، فيها الحياة والحركة، قوله تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماههم لا يسألون الناس إلحافا).

من هنا، نتبين أن القرآن الكريم شهد على مر الزمن، أصنافاً من مناهج تفسيرية تناولته دراسةً وتحليلاً، وبالتالي يتوارد سؤال مهم وهو، لماذا المنهج البياني أول ما عنيت به المدرسة الأدبية؟ حيث شكل اتجاه الإمام محمد عبده ومدرسته في التفسير الاجتماعي، وكذلك الأديب أمين الخولي ومدرسته في التفسير الأدبي، بدايات النظر في القرآن الكريم من وجهة نظر مدرستيهما في العصر الحديث نسبياً، مستفيدين من الموروث الضخم للتفاسير التقليدية، ومن المناهج الغربية الحديثة، خصوصاً علمي الاجتماع والنفس، إذ أن محاولات أمين الخولي ومدرسته في التفسير الأدبي، هي من المحاولات التي استفادت من العلوم الحديثة، فحدد مع زوجته الباحثة والأستاذة عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ”، أهم معالم المنهج البياني في التفسير في العصر الحديث.

وبالتالي إن التفسير في الحضارة الإسلامية هو البيئة الطبيعية التي نضجت في أحضانها كل فروع الدراسات اللغوية والبلاغية، والتفسير الانتقالي تدرج عبر الزمن من الأثر إلى الرأي إلى البيان إلى التاريخ والعلم، حيث توسع المتقدمون في هذا العلم كثيراً، فالتفسير الكبير الذي ألفه الشيخ الطنطاوي جوهري، إنتاج علمي كبير، يعتبر منهج مجدد، كذلك تفسير الشيخ رشيد رضا، الذي اتبع فيه إمامه الشيخ محمد عبده، أضاف على المنهج عقل جديد، ومن الممكن القول أن التجديد بدأ مع رائد التجديد، جمال الدين الأفغاني، فكان منهجه أنه على علماء الأمة الإسلامية في كل عصر التقيد بنصوص القرآن والسنة، وقاعدة النص القرآني، وأما الإمام محمد عبده عنيت مدرسته بالمنهج الأدبي وكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه وأوضحت معانيه وحثت على دراسة اللغة، وسار على منهجه التفسيري هذا، الشيخ رشيد رضا، والشيخ محمد مصطفى المراغي، وشيخ الأزهر محمد شلتوت.

وبتأسيس الجامعة المصرية اتجهت الدراسة إلى علم التفسير في وقت كان الأزهر الشريف وحده ينفرد بالدراسات الدينية ودخلت مناهج اللغة والأدب في فهم النص القرآني، وعليه يكون هدف المدرسة الأدبية هو التوجه لدراسة القرآن أدبياً وفنياً.

وبالانتقال إلى التفسير البياني عند عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ”، يعد محاولة لدراسة منهجية للقرآن الكريم في جو إعجازه البياني، تقوم على فهم القرآن وفق منهج استقرائي، تقول في مقدمة كتابها: “وما أعرضه هنا ليس إلا محاولة في هذا التفسير البياني للمعجزة الخالدة، حرصت فيها ما استطعت على أن أخلص لفهم النص القرآني فهماً مستشفاً من روح العربية ومزاجها مستأنسة في لفظ بل في كل حركة ونظرة بأسلوب القرآن نفسه، ومحتكمة إليه وحده، عندما يشتجر الخلاف، على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه والتدبر الواعي لدلالة سياقه والإصغاء المتأمل إلى إيحاء التعبير في بيان معجز”، وكان تفسيرها ناتج عن شخصيتها الأدبية والدينية، ويتميز تفسيرها بمنهجية جديدة متحرر من التأويلات التي تقف حاجزاً أمام يقظة فكرية، فوضعت حدوداً لمن أراد الاشتغال بهذا العلم، وفرقت بين الفهم الذي لا يعذر منه أي قارئ للقرآن وبين التأويل الذي لا يتقدم إليه إلا من هضم علوم التفسير فتقول: “يبدو أننا في حاجة إلى أن نضع الحدود الفاصلة بين ما يباح وما لا يباح من تأويل كلمات الله في كتاب الإسلام، بين حق كل إنسان في أن يفهم القرآن لنفسه وبين حرمة تفسيره للناس لا نبيحه لغير ذوي الدراية به”.

إن طريقة بنت الشاطئ في نقد الأقوال هي استحضار اللفظة والتماس الدلالة اللغوية الأصيلة في مختلف استعمالاتها الحسية والمجازية لهذه اللفظة، ثم تخلص حول الدلالة القرآنية باستقراء كل ما في القرآن من صيغ اللفظ، دراسة سياقها الخاص في الآية أو السورة، وبعد ذلك تعرض أقوال المفسرين في اللفظة، وتقبل منها ما يقبله النص، متحاشية ما أقحم في كتب التفسير من مدسوس الإسرائيليات وشوائب الأهواء المذهبية وبدع التأويل، محتكمة في الأخير إلى الكتاب المبين المحكم في التوجيه الإعرابي والأسرار البيانية.

من هنا، إن القرآن الكريم، مائدة الرحمن، وهو منهج المؤمنين والمسلمين وهو ثقة الوحدة الإسلامية، ووحدتنا في العودة إلى القرآن الكريم، قال تعالى: (وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، فهذا الأمر يجب تفعيله، لأنه المشترك بين الجميع، وذلك بالتدبر، من خلال برامج تلفزيونية وإذاعية والتحفيز على حفظ القرآن، والقرآن مهيمن على كل الكتب السماوية، قال تبارك وتعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه، فاحكم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق).

وهنا يكمن دور علماء اللغة ما بعد القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الاهتمام بالشعر الجاهلي إحيائه مجدداً، ومن يتعمق بالإعجاز البياني يعرف أن كل ذلك مرتبط بعضه ببعض، خاصة لجهة الجمال البياني، وإن أردنا لحياتنا أن تنعم بالصفاء الداخلي والخارجي، لنعد إلى القرآن، وللحديث بقية عن أهل التفسير البياني.

*كاتب ومفكر – الكويت.