منوعات

هكذا أعادت واشنطن الحرب الباردة!

شكل قرار الولايات المتحدة توسيع العقوبات الاقتصادية على روسيا تطوراً مهماً تتجاوز تأثيراته العلاقة الثنائية بين البلدين، لتشمل هذه المرة القارة الأوروبية من جهة، والعلاقة بين البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية الاميركية من جهة ثانية.

خطورة العقوبات الجديدة أنها جاءت هذه المرة بلباس قانوني حازم، على خلاف العقوبات السابقة التي كان ينظر إليها في إطار ما يمكن تسميته “القوة الناعمة” كأداة ضغط سياسية بلباس اقتصادي.

فقانون العقوبات جاء بعيد موافقة مجلسي النواب والشيوخ بأغلبية ساحقة، وهو ما يسحب البساط من الرئيس الأمريكي لتجاوز هذه العقوبات، إلا بعد استسلام موسكو للمطالب الاميركية السياسية، أو تراجع الكونغرس عن القانون، وهو أمر يبدو مستحيلاً في الأفق القريب.

تأثير العقوبات على روسيا

تبدو العقوبات في جوهرها ذات أهداف اقتصادية واضحة، فهي تشمل توسيع العقوبات القطاعية عن طريق إضافة شركات حكومية في مجالات التعدين والسكك الحديدية، وتشديد القيود على التمويل ووضع آلية قانونية لتطبيق العقوبات على صادرات الغاز الروسي، ومن ضمنها مشاريع بناء خطوط أنابيب الغاز إلى تركيا وأوروبا.

ويقلص القانون المبالغ المالية التي يمكن أن يستثمرها الأمريكيون في مشروعات الطاقة (النفط، غاز) داخل روسيا.

ولذلك ستؤثر العقوبات الأمريكية سلباً على النمو الاقتصادي الروسي الذي شهد انتعاشاً واضحاً منذ أشهر، لأنها ستدفع موسكو إلى تجميد إصلاحاتها الهيكلية، نتيجة ضعف السيولة المالية.

لكن بعض الخبراء يقللون من تأثير العقوبات الاميركية لأسباب عدة، أهمها أن الاستثمارات الغربية بشكل عام، والاميركية بشكل خاص، ضعيفة في روسيا، ومن ثم فلن يكون هناك تأثير كبير على حركة الأموال.

عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد في جامعة سياتل الاميركية في أثنيا، يقول إن روسيا تمتلك اليوم أوراقاً كثيرة يمكن أن تلعب فيها على طاولة العلاقات مع أمريكا؛ وهي ورقة العلاقات التجارية مع الصين، والورقة الكورية الشمالية، ومن ثم فإن موسكو باستطاعتها التهرب من تلك العقوبات وإيجاد البديل.

ويضيف درويش، أن الولايات المتحدة تحاول تصدير أزمتها الاقتصادية والسياسية، داخلياً وخارجياً، التي افتعلتها سياسة الرئيس الاميركي، دونالد ترامب، عن طريق فتح أزمات جديدة؛ مثل الأزمة مع روسيا، وخلق حرب تجارية شاملة معها، وهو ما لم ينجح لتلك الاعتبارات.

كما أن موسكو تنبهت مبكراً لاحتمال دخول العلاقة مع واشنطن في طريق صعب، فعمدت، في ايار الماضي، إلى تفعيل مشروع السيل التركي في منطقة البحر الأسود، عبر شركة “غاز بروم” عملاق الغاز الروسي.

و”السيل التركي” يتكون من خطي أنابيب لنقل الغاز الطبيعي، بسعة 31.5 مليار متر مكعب: أحد الخطين مخصص لنقل الغاز إلى تركيا، والثاني مخصص لبعض الدول الأوروبية.

وعلى الرغم من تصريح رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيدف، الحاد، حين قال إن “العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده تبلغ حد إعلان حرب تجارية شاملة”، فإن الرد الروسي العملي اقتصر على طرد 755 دبلوماسياً أمريكياً، وهو رد ذو صبغة دعائية إعلامية، ذلك أن موسكو لا تريد تفجير العلاقة مع واشنطن في ظل رفض البيت الأبيض لهذه العقوبات، كما أنها ما تزال تأمل أن ينجح البيت الأبيض في ثني الكونغرس عن هذا القانون.

-انقسام بين ضفتي الأطلسي

وأثار قانون العقوبات الاميركي ردود أفعال مستهجنة من قبل الدول الأوروبية الكبيرة، لكون العقوبات تشمل شركات أوروبية لها علاقة بشركات الطاقة الروسية، وشركات أخرى تعمل داخل روسيا منذ سنوات طويلة مثل “سيمنس” و”دايملر”.

فضلاً عن أن الدول الأوروبية لا تفضل بديلاً عن الغاز الروسي؛ بسبب رخصه مقارنة بالغاز الأمريكي ذي التكلفة العالية.

وبدا هذا الأمر واضحاً بالنسبة للأوروبيين، وهو ما بينه تصريح وزير الخارجية الألماني حين أعلن أن “الخلط بهذه الطريقة المباشرة بين السياسة الخارجية والمصالح الاقتصادية، والقول إننا نريد إخراج الغاز الروسي من السوق الأوروبية، أمر لا نستطيع قبوله”.

بالنسبة لأوروبا كشفت العقوبات الاميركية الأخيرة على روسيا نهاية مرحلة التناغم والتفاهم الاقتصادي بين ضفتي الأطلسي، في ظل أنانية اقتصادية اميركية واضحة، بدأت مع انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس حول المناخ، ووضع آليات للضغط على الصين وألمانيا وغيرهما.

وهنا يقول أستاذ الاقتصاد درويش، إن أوروبا، ولا سيما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وشعورها بالتحرر من الموقف البريطاني المؤيد والقريب من واشنطن، تريد أن تبحث عن طريق خاص بها وبعيداً عن التبعية الأمريكية.

ويؤكد درويش أن العلاقات الاقتصادية الروسية الأوروبية علاقة كبيرة، ولا يمكن أن يتخلى أحدهما عن الآخر، ولا سيما في مجال التكنولوجيا والغاز والاستثمارات السياحية والسكنية وغيرها.

لكن رغم ذلك ثمة غموض حول كيفية الرد الأوروبي، ففي ضوء التباين الحاصل داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين الدول الغربية والشرقية، يصعب الحديث عن موقف أوروبي موحد وحازم يمكن من خلاله الوقوف في وجه الاندفاعة الأمريكية، لكن حتى اللحظة ما زالت ألمانيا وباريس تتصدران مشهد المواجهة.

(الخليج أونلاين)